آخر الأخبارأخبارإحاطة بالحدثتقدير موقفتقييم حالةقضايا راهنةمقالات

من الحرب على إيران إلى إعادة رسم خرائط المنطقة: أين يقف العرب من مشروع الهيمنة الأمريكي-الصهيوني؟

■ المحرر السياسي
لا أريد أن أذهب بكم بعيداً في إشكالية العقل السياسي العربي الذي ما يزال – للأسف الشديد – يرزح تحت وطأة الفعل وردّ الفعل قصير المدى. فمنذ محادثات وتقسيمات سايكس–بيكو وما نتج عنها من تفتيت للمنطقة، مروراً باكتمال المشروع الاستيطاني في فلسطين، واحتلال أجزاء من سوريا ومصر والأردن ولبنان في مراحل مختلفة، وحتى هذه اللحظة، ما زلنا نناقش النتائج ولا نبحث عن الأسباب الرئيسية.
نخلق معارك جانبية، ونترك لبّ الإشكال وأساس المشكلة. واليوم نحن في طور جديد من العجز؛ ففي الوقت الذي يعلن فيه العدو مشروعه بوضوح – مشروع تقسيم وهيمنة يستند إلى رؤية دينية وسياسية صلبة – نجد أنفسنا نهرب بأقصى سرعة نحو المجهول، ونغرق في جدالات الماضي، ونستحضر كل المسميات التي تُبعدنا عن التفكير الاستراتيجي بعيد المدى.
وأقصد هنا الجميع: العرب، ودول الجوار، وكل القوى التي تتحرك في هذا المسرح المضطرب. فالمشهد الذي نعيشه اليوم تحكمه المصالح قصيرة المدى، وتحركه حسابات تكتيكية ضيقة، بينما تُرسم خرائط المنطقة في غرف التخطيط الاستراتيجي للقوى الكبرى.
هذه مقدمة صغيرة لما سأقوله حول ما يحدث الآن من حرب تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما. نعم، إنها حرب على المنطقة، حتى وإن بدأ عنوانها الظاهر بالصراع مع إيران.
ولنبدأ أولاً بنقد التعبير العاجز والسطحي الذي يتكرر في خطابنا:
“اللهم أهلك الظالمين بالظالمين”.
وكأننا خارج المعادلة، أو كأننا نملك أنظمة سياسية مثالية تقوم على الحرية والعدالة، ثم نكتفي بالدعاء وننسحب من ساحة الفعل.
بعد ذلك ننتقل إلى سردية أخرى لا تقل تبسيطاً:
إيران الطائفية، الدولة الدينية التي جلبت الدمار وأشعلت الطائفية في المنطقة، ولذلك فهي تستحق ما يحدث لها.
قد يكون في هذه السردية جزء من الحقيقة، لكن تحويلها إلى التفسير الوحيد للأحداث ليس سوى شكل من أشكال الهروب من مواجهة الواقع. لأن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في صراع مذهبي أو نزاع إقليمي محدود؛ بل هو جزء من إعادة تشكيل جيوسياسية شاملة للشرق الأوسط.
ما يجري اليوم هو نموذج صارخ لما يمكن تسميته البلطجة الدولية؛ حيث تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل خارج الأطر القانونية الدولية، متجاوزتين مؤسسات الشرعية العالمية مثل مجلس الأمن وقرارات الأمم المتحدة.
فالاحتلال مستمر رغم القرارات الدولية، والعدوان يتكرر دون مساءلة، والخرائط تُعاد صياغتها بالقوة العسكرية. لم تعد القوانين الدولية سوى نصوص تُستحضر عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُتجاهل عندما تعيق مشاريع الهيمنة.
وفي المقابل، يقف العرب في حالة ارتباك استراتيجي واضح.
فبدلاً من ترتيب الأولويات وبناء سياسة إقليمية قادرة على المناورة، نجد أنفسنا نخسر أوراقنا منذ الجولة الأولى.
نخسرها في الانقسام،
ونخسرها في الصراعات البينية،
ونخسرها في الارتهان للتحالفات الدولية دون امتلاك رؤية مستقلة.
والنتيجة أننا غالباً ما نصل إلى المرحلة التي لا نملك فيها حتى القدرة على توصيف ما يحدث:
هل هو عدوان؟
أم حرب وقائية؟
أم إعادة تشكيل إقليمي؟
هذا العجز في التوصيف ليس مسألة لغوية، بل هو انعكاس لعجز أعمق في بناء رؤية استراتيجية.
فالقوى الكبرى عندما تخوض الحروب، لا تخوضها بدافع الانفعال أو الانتقام، بل في إطار مشاريع طويلة المدى. أما نحن فنعيش غالباً في زمن ردود الفعل، لا في زمن التخطيط.
ولهذا، فإن الحرب التي تُرفع اليوم تحت عنوان “الحرب على إيران” لا يمكن فهمها خارج سياق أوسع.
فإذا نظرنا إلى المشهد من زاوية استراتيجية، سنجد أن الهدف لا يقتصر على إضعاف إيران أو كبح نفوذها الإقليمي، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق ثلاثة أهداف كبرى:
أولاً: إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة لصالح إسرائيل، بحيث تتحول إلى القوة المهيمنة بلا منازع، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
ثانياً: تفكيك البيئة الجيوسياسية المحيطة بإسرائيل عبر إضعاف الدول الكبرى في الإقليم أو إشغالها بصراعات داخلية طويلة.
ثالثاً: فتح المجال أمام خرائط نفوذ جديدة قد تشمل إعادة توزيع السيطرة على أراضٍ وممرات استراتيجية في المنطقة العربية، سواء عبر الاحتلال المباشر أو عبر أنظمة نفوذ غير مباشرة.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
ماذا سيحدث لإيران؟
بل السؤال الأهم هو:
أين يقف العرب اليوم من مشروع إعادة تشكيل المنطقة؟
وهل يدركون أن ما يجري قد يكون بداية مرحلة جديدة من الاستعمار المقنّع، حيث لا تأتي الجيوش دائماً لاحتلال الأرض مباشرة، بل تُدار الهيمنة عبر الحروب بالوكالة، والضغوط الاقتصادية، وإعادة تشكيل التحالفات؟
إن الخطر الأكبر ليس في قوة الخصوم، بل في غياب الرؤية لدى أصحاب الأرض.
فالأمم التي لا تمتلك تصوراً استراتيجياً لمستقبلها، تصبح مجرد ساحات تتحرك فوقها مشاريع الآخرين.
وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من التقسيم والتفتيت، ربما أكثر تعقيداً وخطورة من مرحلة سايكس–بيكو الأولى.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العرب اليوم ليس فقط في إدانة العدوان أو توصيفه، بل في بناء عقل سياسي جديد قادر على قراءة التحولات الكبرى، وترتيب الأولويات، وممارسة المناورة في المضمار الدولي.
لأن السياسة – في نهاية المطاف – ليست مجرد إعلان للمواقف، بل هي فن إدارة القوة والوقت والفرص.
وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقاً ومؤلماً في آن واحد:
هل نحن أمام حرب على إيران فقط، أم أمام مرحلة جديدة من إعادة استعمار المنطقة تحت عنوان إعادة ترتيب الشرق الأوسط؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى