آخر الأخبارمقالات

بعد اغتيال المرشد: هل يهتز النظام الإيراني أم يعيد إنتاج نفسه؟

قراءة في الأيام الأولى للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران

بقلم: دكتور. عبد الله التميمي

بعد خمسة  أيام فقط من اندلاع الحملة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، تبدو المنطقة وكأنها دخلت طوراً جديداً من الصراع، يتجاوز بكثير حدود المواجهة التقليدية بين طهران وتل أبيب. فاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الافتتاحية لم يكن مجرد استهداف لشخصية سياسية أو دينية بارزة، بل شكل حدثاً مفصلياً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ ضرب قلب النظام الرمزي والمؤسسي الذي تأسس منذ عام 1979.

ومع ذلك، فإن الافتراض بأن اغتيال رأس النظام سيقود تلقائياً إلى انهياره يبدو قراءة متسرعة للواقع الإيراني. فالنظام الذي نشأ بعد الثورة صُمم، بدرجة كبيرة، لتحمّل الصدمات، من خلال شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والدينية التي تمنحه قدراً من المرونة في مواجهة الأزمات. لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً التقليل من حجم الارتجاج الذي أحدثته الضربة، ليس فقط داخل بنية السلطة في طهران، بل أيضاً في التوازنات الإقليمية التي طالما تشكلت حولها.

الضربات التي طالت مواقع مرتبطة بمؤسسة اختيار المرشد الجديد، بما في ذلك مقر اجتماعات مجلس خبراء القيادة في طهران ومواقع مرتبطة بأمانته في قم، تكشف أن الحرب لا تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، بل تمس أيضاً آليات إنتاج الشرعية داخل النظام. فهذه المؤسسات هي التي تضطلع دستورياً بمهمة اختيار المرشد الأعلى، واستهدافها يطرح سؤالاً بالغ الحساسية: كيف يمكن للنظام أن ينظم انتقال السلطة في لحظة باتت فيها “غرفة القرار” نفسها هدفاً عسكرياً؟

هذا السؤال يفتح الباب أمام احتمالات متعددة من التشققات داخل النخبة الحاكمة. فالتباينات لا تتعلق فقط بالتيارات السياسية التقليدية، بل تمتد إلى المدارس الأمنية والعسكرية داخل النظام: هل تكون الأولوية للانتقام واستعادة الردع؟ أم لإعادة ترتيب البيت الداخلي؟ أم لشراء الوقت عبر فتح قنوات تفاوض غير مباشرة؟ هذه الأسئلة قد لا تظهر للعلن سريعاً، لكنها ستظل عاملاً حاسماً في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

في المقابل، لا يبدو أن الموقف الأميركي موحد تماماً بشأن الهدف النهائي للحرب. ففي الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترمب تظهر لغة حاسمة توحي بأن الوقت قد فات على الحوار، وأن الضربة تمثل نهاية مرحلة في التعامل مع إيران. لكن على المستوى العملياتي، تبدو الاستراتيجية أكثر حذراً، إذ تركز الضربات على أهداف محددة: القدرات الصاروخية، البنية البحرية، ومراكز القيادة والسيطرة.

هذا التباين يعكس مفترقاً استراتيجياً مهماً. فإذا كان الهدف هو تغيير سلوك إيران – أي تقليص قدراتها العسكرية وضبط دورها الإقليمي – فإن نهاية الحرب قد تأتي عبر تسوية قاسية مع ما تبقى من النظام في طهران. أما إذا تحولت الحرب إلى مشروع لإسقاط النظام نفسه، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن إسقاط الأنظمة من الجو دون وجود قوة برية على الأرض ليس وصفة مضمونة، بل قد يقود أحياناً إلى فراغات أمنية وفوضى يصعب السيطرة عليها.

من جانبها، تبدو إيران – أو على الأقل مراكز القرار المتبقية فيها – وكأنها تتبع استراتيجية معاكسة تقوم على توسيع نطاق الصراع بدلاً من احتوائه داخل حدودها. فالضربات التي طالت دولاً في الخليج واستهداف الممرات البحرية الحيوية لا يمكن قراءتها فقط بوصفها ردود فعل غاضبة، بل قد تكون جزءاً من محاولة مدروسة لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

هذه الاستراتيجية تقوم على معادلة بسيطة: إذا كانت إيران عاجزة عن منع الضربات داخل أراضيها، فإن بإمكانها توسيع دائرة النار بحيث تصبح الحرب مكلفة للاقتصاد العالمي، سواء عبر تهديد الطاقة أو الملاحة الدولية. لكن هذه المقاربة تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، إذ قد تدفع واشنطن إلى توسيع بنك الأهداف ليشمل بنية النظام نفسه وليس فقط قدراته العسكرية.

في ضوء التطورات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمآلات الصراع.

المسار الأول: يتمثل في صفقة تحت النار، حيث تتصاعد الضربات إلى حد يفرض على القيادة الإيرانية – أو قيادة انتقالية – القبول بتفاهم قاسٍ يفرض قيوداً صارمة على برنامج الصواريخ والطائرات المسيرة ويضع آليات رقابة على بعض مفاصل القوة العسكرية، مقابل وقف الحملة العسكرية.

المسار الثاني : هو تآكل النظام من الداخل، حيث تؤدي الضربات المتواصلة واستهداف مؤسسات القيادة إلى تفاقم الانقسامات داخل النظام، بما قد ينتج مراكز قوة متنافسة بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية. وفي هذا السيناريو لا يحدث السقوط بشكل مفاجئ، بل يأتي تدريجياً عبر عملية تفكك بطيئة.

أما المسار الثالث: فهو حرب إقليمية ممتدة، إذا نجحت إيران في جرّ ساحات متعددة إلى المواجهة، بما في ذلك الخليج والبحر الأحمر وربما ساحات أخرى. في هذه الحالة قد تتحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل يضغط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ويجبر القوى الدولية على الدفع نحو وقف إطلاق النار دون حسم واضح.

بعد خمسة أيام فقط من اندلاع الحرب، يبدو من المبكر الحديث عن نتائج نهائية. لكن المؤكد أن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في تعريف واشنطن للنصر. فهل يكفي تعطيل قدرات إيران العسكرية الرئيسية؟ أم أن الهدف يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في طهران؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير النظام الإيراني، بل أيضاً شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة. ففي منطقة تعيش أصلاً على وقع تحولات جيوسياسية عميقة، قد تصبح هذه الحرب لحظة فاصلة تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الإقليم.

وفي كل الأحوال، فإن الأيام الأولى من المواجهة تشير إلى حقيقة أساسية: إسقاط الأنظمة قد يبدأ بضربة عسكرية، لكنه لا ينتهي بها. فمصير الدول، خصوصاً تلك التي تمتلك بنية مؤسساتية معقدة مثل إيران، يتحدد في نهاية المطاف عبر تفاعلات داخلية وإقليمية ودولية تتجاوز بكثير لحظة الحرب نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى