مقالات

اليمن وتجربة التغيير في بولندا

Amir Alborihi

كانت بولندا الواقعة وسط أوروبا في يوم من الأيام في أحضان الشيوعية وهيمنتها، وواحدة من أطفالها المدللين، حتى أُسقطت تلك الهيمنة في عام 1989م، بعد عقود من الحكم الشيوعي المستبد. كما كانت وارسو، عاصمة بولندا، خلال الحقبة السوفييتية مقراً رئيساً لثاني أكبر حلف عسكري في العالم “حلف وارسو”.

وقد يجهل البعض أن للثورة البولندية يد في إزاحة الشيوعية من أوروبا الشرقية وسقوط جدار برلين، فمع ازدياد حدة القمع والدكتاتورية، إضافة إلى تدني المستوى المعيشي إبان حكم الشيوعيين للبلاد، بدأ الشعب يدرك أن البلد تسير إلى المجهول، ولابد من أن يحصل تغيير يساهم في تحسين الأوضاع.

“حركة تضامن”

في سنة 1980م وبعد صراع طويل بين العمال والدولة تسبب في اعتقال الكثيرين منهم؛ بسبب الإضرابات، قرر أولئك العمال تنظيم أنفسهم بحيث تصل أصواتهم إلى ما بعد جغرافيتهم، فقاموا بتنسيق وانتخاب لجنة للإضراب، كما أسست نقابة عمالية على يد “ليخ فاونسا” في الرابع عشر من شهر أغسطس من العام 1980م وأطلق عليها اسم “تضامن” والتي يرجح وصول عدد أعضائها قرابة (عشرة مليون عضو).

مع مرور الأيام أصبح لحركة تضامن الدور الأكبر في سقوط الحكم الشيوعي في البلاد، وبعد كر وفر بين حركة تضامن والحكم الشيوعي، واستخدام الأحكام العرفية من قبل الشيوعيين، أخيراً وبعد ثمان سنوات من النضال المتواصل والاعتصامات والإضرابات، أطلقت الحكومة آنذاك قبولها بمفاوضات مع حركة تضامن ممثلة بمؤسسها ليخ فاونسا من شأنها إنها الأزمة، بعد اعترافها أنها باتت عاجزة عن مقاومة المجتمع البولندي ونضالات حركة تضامن، لتبدأ حينها اجتماعات ما يسمى ب “الدائرة المستديرة” بين السلطة وحركة تضامن، وكان من أهم ما طرح على هذه الطاولة من ملفات: التعددية النقابية والتعددية السياسية، ومقاومة الأزمة وطرق الإصلاحات الاقتصادية. وقد شكلت في نهاية هذه المفاوضات التي استمرت قرابة الشهرين لجان للبدء في العمل، والتي بدورها أسفرت إلى تحريك عجلة التنمية في البلاد.

جني الثمار

أما اليوم فقد أصبحت بولندا محوراً هاما قد تستند عليها أوروبا مستقبلاً خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي ماكرون، خلال زيارته إلى بولندا، حيث صرح في مطلع حديثه “بأنهم يعولون على مشاركة بولندا في قيادة الاتحاد مستقبلاً”، كل ذلك الاهتمام ببولندا لما تتمتع به من موقع استراتيجي مهم، وموارد طبيعية، إضافة إلى موارد بشرية متمثلة في الأيادي العاملة والكوادر الشبابية المؤهلة.

واستنادا إلى ذلك وبعد مرور 30 عاماً منذ خروج بولندا من تحت الحكم الشيوعي وبفضل إرادة شعبية قوية، ورغبة واعية في التغيير، إضافة إلى النضال الذي استمر لمدة ثمان سنوات، بُنيت بولندا على أنقاض الشيوعية حتى أصبحت كما هي عليه اليوم تنافس الدول المتقدمة في مختلف المجالات.

هذا ما هو إلا نموذج لإرادة شعب في أن يعيش بكرامة، فلم يتوقف عن نضاله طوال كل تلك السنوات حتى حقق مراده بالطرق السلمية وعن طريق الاعتصامات والاحتجاجات، التي صعب على الحكومة التعامل معها، إلى أن أقرت واعترفت بعدم مقدرتها التغلب على صوت الشعب، وبذلك انزاحت تلك الحقبة المظلمة من تاريخ بولندا ودخلت عهدا جديدا من التقدم والتطور حتى أوصلها إلى منافسة نظيراتها الأوروبيات في كل الميادين. وبهذا فإن النموذج البولندي يعتبر فريداً من نوعه؛ لما له من خصوصية في النضال وعدم التراجع أو الخضوع مهما كانت الظروف.

اليمن وصراعات التغيير

أما إذا انتقلنا إلى اليمن كدولة عاشت ثورات متعددة ومراحل تغيير مختلفة فيجب علينا تسليط الضوء على ما عاشه اليمنيون في أغلب مراحل تاريخهم الطويل وخاصة في فترات الظلم والدكتاتورية التي تشكل أغلب فترات الحكم لليمن في التاريخ المعاصر والتي خلفت الكثير من الأزمات والكثير من المأساوي في مختلف المجالات، حتى وصل الحال باليمني إلى أن يكابد باحثاً عن لقمة العيش إلى أن قرر أن يثور على نظام أطلق جذوره على كرسي السلطة غير مكترث و آبه لتدهور المستوى المعيشي، مكتفياً بإطلاق الأوهام والوعود التي لطالما لم تحقق حتى الآن..!

ومع بداية العام 2011م انطلقت أول شرارة للثورة اليمنية ضد نظام حكم “علي عبدالله صالح”، مطالباً إياه بإصلاحات جذرية، لكن سرعان ما تطور الوضع حتى أصبحت المطالب، هي رحيل النظام كاملاً، وفي منطلقها فقد شارك الشباب فيها وكانت مطالبهم واضحة و موحدة، ولكن عند منعطف ركبت الأحزاب السياسية على ظهور الشباب ومطالبهم، مما غير مسارها، فصارت الأحزاب تلعب دوراً أساسياً، فقد توغلت وحملت مشروعاً يخدم مصلحتها الشخصية، غير مكترثة ضاربة بمطالب الشباب عرض الحائط، وعلى هذا النهج استمرت بالتلاعب في الأهداف الأساسية، مما أدخلها في صراع وخلاف فيما بينها، ونتيجة لهذا فإن دورها أصبح ضعيفاً.

واستنتاجاً لما ذكر أعلاه، ولو تم المقارنة بين الحدثين: التحول البولندي في نهاية الثمانينات، وثورة فبراير 2011 اليمنية، فإن الشعب اليمني لم يتفق لأجل هدف واحد، رغم الإمكانيات والفرص التي يمتلكها وحصل عليها، فمثلاً الصحافة اليمنية لم تستطع أن تروج لقضيتها بالشكل الصحيح والكافي، لكي تعرض الأحداث بكل شفافية وصدق، وفوق هذا كله، وظفت للهجوم على الآخر، وهذا ما جعلها تخرج عن وظيفتها الجوهرية أي “دعم شباب الثورة”.

أما ما يخص الأحزاب السياسية التي لا تحمل الكفاءة المتطلبة، وتنقصها الخبرة في العمل الحزبي والسياسي، وبالرغم من كثرة الأحزاب المتواجدة في الساحة اليمنية، فلا يوجد حزب واحد منها على الأقل يحمل هم الشعب كله، دون التطرق إلى توجهات الناس وأيديولوجياتهم، فأصبح كل حزب يدعم أعضائه، بما يخص مصلحة الحزب. ومن المضحك المبكي، أن كل حزب يتكلم باسم الشعب ككل، وكأن الشعب ينتمي إليه، وهذا ما أثبتته المفاوضات التي حصلت بين حكومة علي عبد الله صالح، والأحزاب السياسية، فهي كانت تفاوض بما يخص مصلحتها، تاركة وراءها متطلبات بقية الشعب، الذين ليس لهم أي صلة أو روابط حزبية، وهذا ما هو إلا دليل كافي، على أن للأحزاب السياسية اليمنية، يد في وصول اليمن إلى هذا الوضع المتردي، كونها جعلت مصلحتها فوق الكل.

 وخلاصة القول فإنه يمكن الاستفادة من التحول البولندي، وأخذ فكرة عن النضال الحقيقي، وإرادة الشعب على تغيير الواقع، عن طريق توحيد الخطاب الإعلامي، كون الإعلام يعتبر من أقوى المؤثرات على المجتمعات، وكذلك توحيد الخطاب السياسي، خاصة وأنه في الساحة توجد أحزاب سياسية معارضة وذو خبرات متفاوتة، يمكنها أن تلتف حول نفسها، بحيث تصبح أقوى عن طريق اختيار الأكفاء في شتى المجالات. والأهم من ذلك كله هو وجود إرادة شعبية بضرورة النضال الجدي وعدم التراجع والخذلان، فقد ناضل الشعب البولندي طوال ثمان سنوات، حتى نال مراده بالطرق السلمية دون أن تُزهق الأرواح.

الوسوم

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق