حضرموت على صفيح ساخن

انهيار الخدمات وصراع النفوذ والأجندات الإقليمية
المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية
خلفية المشهد.
تشهد محافظة حضرموت – وتحديدًا مدينة المكلا – موجة احتجاجات شعبية واسعة، غير مسبوقة منذ سنوات، جاءت كرد فعل مباشر على الانهيار شبه الكامل في الخدمات الأساسية: الكهرباء، المياه، والوقود. وفي حين تبدو المظاهرات شعبية الطابع، إلا أن التحليلات الأعمق تشير إلى تصدعات داخلية سياسية وصراعات نفوذ على مستقبل المحافظة، خصوصًا مع اقتراب أي تسوية قادمة في اليمن.
انهيار الخدمات.. معاناة المواطن في الواجهة.
خلال الأشهر الأخيرة، شهدت مدن حضرموت ــ وعلى رأسها المكلا وسيئون ــ حالة شبه انهيار في خدمات الكهرباء والمياه والوقود، وسط احتجاجات شعبية متزايدة تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية. انقطاعات الكهرباء التي تصل إلى أكثر من 18 ساعة يومياً في ظل حرارة الصيف الحارقة، ونقص المشتقات النفطية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، دفعت آلاف المواطنين للخروج إلى الشوارع، وقطع الطرقات، وترديد شعارات غاضبة تطالب بإنهاء الفساد ومحاسبة المسؤولين.
ومع تزايد وتيرة الاحتجاجات، بدا واضحاً أن الغضب الشعبي لم يعد موجهاً فقط نحو الحكومة الشرعية، بل امتد إلى القوى المحلية المسيطرة على الأرض، وأيضاً إلى الجهات الإقليمية المتدخلة في الشأن الحضرمي.
صراع النفوذ بين الشرعية والانتقالي.. الساحة على حافة الانفجار.
تشهد حضرموت تجاذباً حاداً بين السلطة المحلية المحسوبة على الحكومة الشرعية بقيادة المحافظ مبخوت بن ماضي، وبين محاولات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات بسط نفوذه على المحافظة عبر أذرعه العسكرية والأمنية. وتُعد منطقة الوادي والصحراء نقطة الاشتباك الرئيسية، نظراً لتمركز قوات “المنطقة العسكرية الأولى” الموالية للشرعية هناك، في مقابل سعي الانتقالي لإحلال قوات “النخبة الحضرمية” التابعة له.
تصاعد التوتر مؤخراً بعد إعلان الانتقالي إقامة فعالية جماهيرية في مدينة سيئون، وهو ما اعتبرته الشرعية محاولة لفرض أمر واقع جديد. وقد تخللت ذلك مظاهرات واحتجاجات منظمة، وشعارات تطالب بخروج القوات الشمالية، في وقت يرى فيه البعض أن تلك المطالب لا تعكس فقط إرادة حضرمية خالصة، بل تأتي ضمن أجندة إماراتية تسعى لتفكيك ما تبقى من سلطة الحكومة المعترف بها دولياً.
أبرز الفاعلين والمتسببين في الأزمة.
- السلطة المحلية الموالية للتحالف (السعودي-الإماراتي). والتي تُتّهم بالتقاعس في إدارة ملف الكهرباء والوقود، وغياب الشفافية في استخدام الإيرادات النفطية.، وفشلها في تقديم حلول إسعافية أو التعامل مع الأزمة بجدية، بل عمدت إلى القمع واعتقال نشطاء.
- التحالف القبلي (برئاسة عمرو بن حبريش) . فرغم دعمه للمطالب الشعبية، إلا أنه متهم من بعض الأطراف بـعرقلة توريد الوقود عبر النفوذ القبلي، مما يُفسّر جزءًا من الأزمة كأداة ضغط سياسية. في الوقت الذي يحاول توسيع نفوذه في سياق صراع أجنحة الحكم المحلي.
- الإمارات العربية المتحدة. الفاعل الأهم خلف الكواليس، وهي المتهمة بتقويض مؤسسات الدولة لصالح المليشيات الموالية لها (مثل قوات النخبة الحضرمية). حيث أدخلت آلاف المجندين من خارج حضرموت مؤخراً، مما فُسّر كمحاولة لـ”تحصين نفوذها” تحسبًا لأي انهيار أمني أو سياسي. كما أنها تقف خلف تهميش السلطة الشرعية، وتعطيل تشغيل المنشآت والموانئ النفطية لتكريس حالة “اللا دولة”.
- السعودية. بالرغم من محاولتها الحفاظ على حضور سياسي متوازن، لكن ضعف أدواتها الميدانية مقارنة بالإمارات جعلها في موقف المراقب غير المؤثر، رغم كونها الممول الأبرز.
الدوافع الحقيقية خلف الاحتجاجات:
- انقطاع الكهرباء لما يزيد عن 18 ساعة يوميًا.
- الارتفاع الكبير للأسعار في ظل غياب الرقابة.
- تراكم الغضب الشعبي من تهميش حضرموت رغم ثرواتها النفطية.
- التنازع بين مراكز القوى المحلية وتعدد الولاءات بين الإمارات والسعودية.
الدور الإماراتي في هذه الأزمة.
البعد | التفاصيل |
العسكري | تعزيز قوات النخبة، نشر وحدات جديدة، التحكم بمنافذ المكلا والميناء. |
الاقتصادي | عرقلة تشغيل ميناء الضبة، والضغط على المانحين لتمويل أطراف موالية. |
السياسي | تقويض سلطة المحافظ، دعم شخصيات بديلة أكثر ولاءً، وفرض تمثيل موالٍ في أي مفاوضات مستقبلية حول وضع حضرموت. |
الإعلامي | دعم حملات ترويجية لتشويه المحتجين، وتصوير الأزمة كـ”تمرد فوضوي” من عناصر غير منضبطة. |
موقف الحكومة الشرعية مما يجري.
حتى اللحظة، موقف الحكومة الشرعية اليمنية من أحداث حضرموت يبدو باهتًا وضعيفًا، ويتسم بالارتباك والانقسام، ويمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
أولًا: الغياب شبه الكامل عن المشهد. لم تصدر أي بيانات رسمية قوية عن الحكومة (الرئاسي أو وزارة الداخلية أو الكهرباء) توضح موقفها من الاحتجاجات، أو تقدم حلولًا عاجلة. واكتفى بعض المسؤولين المحليين بمحاولات احتواء، لكنها جاءت متأخرة وفاقدة للثقة، ما أدى إلى تفاقم السخط الشعبي.
ثانيًا: صراع داخلي بين جناحين. هناك انقسام داخل الحكومة الشرعية بين: جناح يحمّل الإمارات مسؤولية الأزمة، ويطالب بإعادة تشغيل الموانئ والنفط تحت إشراف حكومي. وجناح آخر يحاول عدم التصادم مع الإمارات، خشية فقدان الدعم الأمني أو التورط في صدام مباشر معها.
ثالثًا: التواطؤ أو العجز أمام الهيمنة الإماراتية. لم تُبدِ الحكومة أي إرادة لمواجهة النفوذ الإماراتي في حضرموت، رغم أنه:
- يُعطّل تصدير النفط من الضبة.
- يمنع تشغيل الموانئ دون تنسيق.
- يُدير قوات النخبة بمعزل عن وزارة الدفاع.
- هذا الصمت يُفسره البعض كنوع من العجز المفروض بسبب ارتهان القرار السياسي للممولين الخارجيين، أو كـ”تواطؤ اضطراري” لتجنّب المواجهة المباشرة مع أبو ظبي.
رابعًا: محاولات تهدئة محدودة ومؤقتة. هناك أنباء غير مؤكدة عن تحركات حكومية لتأمين شحنات وقود عبر السعودية أو قطر، بهدف تهدئة الأوضاع. وتم تكليف لجنة طوارئ لمراجعة ملف الكهرباء – لكنها لم تُفعّل حتى الآن. كما أرسلت الحكومة وعودًا لبعض الناشطين المحليين بحل مؤقت، لكن دون إطار زمني واضح أو جدول تنفيذي.
السيناريوهات المتوقعة:
السيناريو الأول: تراجع مؤقت بفعل التهدئة. تقوم الإمارات أو السعودية بتقديم دعم كهربائي مؤقت (وقود/مولدات). وهناك وعود بتحقيق بعض المطالب، وهذا السيناريو سيؤجل الانفجار دون حل جذري.
السيناريو الثاني: تصعيد شعبي أوسع وخروج عن السيطرة. حيث يتوقع توسع رقعة الاحتجاجات إلى ساحل حضرموت وشبوة وربما المهرة، وانهيار السيطرة المحلية لصالح لجان شعبية/قبلية، وتدخل عسكري من التحالف لقمع التمرد. وهذا السيناريو يحمل مخاطر انفجار أمني وانقسام داخلي.
السيناريو الثالث: تدخل أممي/دولي لتدويل ملف حضرموت. يتوقع أن يكون هناك ضغوط أممية لتثبيت هدنة خدماتية، وتدخل وسطاء دوليين لضمان توزيع عادل للثروات. كما يحتمل بروز “مؤتمر حضرمي مستقل” ضمن مسار دولي جديد.
السيناريو الرابع: تدوير الأزمة لصالح مشروع انفصالي. تستخدم الإمارات حالة السخط في حضرموت لتقوية حجتها في دعم “كيان جنوبي مستقل”. وإزاحة الأطراف الموالية للشرعية أو للسعودية من إدارة حضرموت، وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تقسيم فعلي في خارطة اليمن.
التوصيات:
- ضرورة تحرك حكومي سريع وشفاف لتوريد الكهرباء والوقود واستعادة الثقة.
- تمكين المجتمع الحضرمي من إدارة موارده عبر شراكة مع الدولة وليس على حسابها.
- دعم مبادرات المجتمع المدني ومجلس حضرموت الأهلي للحفاظ على السلم الأهلي.
- كشف ملفات الفساد والعبث بالمال العام وانعدام المسؤولية. ومعالجة جذور الأزمة.
- الانتباه لاستغلال الأحداث والتطورات الجارية لتمرير أجندات سياسية وأمنية.