حضور بلا صخب

تركيا تسكن وجدان اليمنيين بالإحسان
أ.د. عبد الله التميمي
في بلدٍ تمزقه الحرب، وتئنّ فيه الأرض من ثقل المعاناة، تظهر يد تُمدّ بهدوء، لا تحمل سلاحًا ولا ترفع راية، بل تمسك بحزمة من الأمل… هذه اليد، هي يد تركيا.
فبينما تتنازع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والسيطرة في اليمن، اختارت تركيا طريقًا آخر. لا ضجيج، لا تحالفات عسكرية، ولا قواعد متقدمة، بل مسار إنساني خالص، يتسلل إلى القلوب قبل أن يصل إلى الأرض. في بلدٍ أرهقته الجراح، كانت تركيا واحدة من القلائل الذين استجابوا للنداء بصمت، لكن بصدق.
منذ بداية الأزمة اليمنية في 2015، التزمت أنقرة بموقف سياسي متزن، لكن تحركها الإنساني كان أكثر وضوحًا وثباتًا. منظمات تركية مثل الهلال الأحمر التركي، وهيئة الإغاثة الإنسانية (IHH)، ووقف ديانات تركيا، كانت من أوائل من لبّى النداء الإنساني، وتوجهت إلى مناطق لم تتمكن حتى منظمات محلية من الوصول إليها.
قال أحد مسؤولي الإغاثة التركية ذات مرة: “نحن لا نأتي كجزء من الصراع، بل نحمل الماء والغذاء والدواء”. وفي أرضٍ جائعة ومتعبة كاليمن، كانت هذه الكلمات أكثر من مجرد شعار، بل منهج عمل.
الأرقام تشهد على ما قُدم: آلاف السلال الغذائية وصلت إلى أحياء ومدن جفّ فيها الخير، كتعز، الحديدة، مأرب وعدن. وفي أماكن كان المرض فيها سيد المشهد، أُقيمت مراكز صحية ميدانية بدعم تركي لتعيد بعض الأمل للعلاج. لم يغب عن بال الأتراك شُحّ الماء، فكان هناك جهد واضح في حفر الآبار وتوفير المياه النظيفة لسكان المناطق النائية. حتى اليمنيين الذين لجأوا إلى تركيا، لم يُنسوا، فحظوا بدعم مباشر سواء في معيشتهم أو تعليم أبنائهم.
وما يُلفت الانتباه أكثر، أن الدور التركي لم يتوقف عند حد الإغاثة المباشرة، بل امتد ليشمل التعليم. فقد حصل كثير من الطلاب اليمنيين على منح للدراسة في الجامعات التركية، واليوم يعود بعضهم للمساهمة في جهود الإغاثة، إما كمترجمين، أو منسقين للمساعدات، أو مبادرين بمشاريع إنسانية صغيرة داخل اليمن.
ورغم أن تركيا لا تملك وجودًا عسكريًا مباشرًا في اليمن، كما هو حال بعض الأطراف الفاعلة، فإن حضورها عبر القنوات الإنسانية أكسبها احترامًا واسعًا لدى شرائح مختلفة من المجتمع اليمني، خاصة في المناطق المهمشة التي لم تعرف إلا النسيان. ومع ذلك، فإن هذا الدور الإنساني لا يخلو من تحديات؛ فالوصول إلى بعض المناطق يشكّل خطرًا دائمًا بسبب المعارك، والعمل الإنساني كثيرًا ما يتقاطع مع حسابات سياسية معقدة، ناهيك عن أن الموارد المتوفرة لا تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
يرى كثير من المراقبين أن هذا الحضور الإنساني التركي لا يمكن فصله تمامًا عن العلاقة التاريخية بين الشعبين، والتي تعود إلى أيام الدولة العثمانية. لكن تركيا اليوم لا تُعيد نفسها في ثوب القوة الماضية، بل في صورة جديدة: شريك إنساني، لا يحمل نوايا التوسع بل يحمل نوايا الدعم والبناء.
في زمنٍ تتلاشى فيه الكلمات أمام وطأة الجوع والمرض، يظل الفعل الإنساني هو ما يُحفر في ذاكرة الناس. ووسط صراع طويل لا يعرف الرحمة، كانت تركيا هناك، لا تصرخ… بل تعمل.