تقدير موقفقضايا راهنة

من صرح مؤسسي إلى ظل مفقود: أسباب غياب مجلس النواب اليمني عن المشهد.

بقلم: دكتور. عبد الله التميمي

المقدمة:

في قلب كل دولة، تقف المؤسسات التشريعية كحصون للديمقراطية، قادرة على صياغة المستقبل وحماية التوازن بين مختلف السلطات. ولطالما كان مجلس النواب اليمني بمثابة الصوت الذي يعكس إرادة الشعب، والدرع الذي يواجه الانتهاكات ويعزز من استقرار الدولة. لكنه اليوم، ومنذ اندلاع الحرب، بات أشبه بظل يختفي خلف جدران الانقسامات والجمود السياسي.

لقد شهد مجلس النواب اليمني تراجعًا غير مسبوق في دوره، وتحول من كيان فاعل إلى مجرد شاهد صامت على الانهيار الذي يعيشه الوطن. فلا القوانين الحيوية التي تضمن حقوق الناس قد أُقرت، ولا الرقابة على السلطة التنفيذية قد تَمت، بل إن غياب المجلس قد فاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي يعاني منها اليمنيون في كل زاوية من هذا البلد المنكوب.

منذ انقسامه بين شرعية فاقدة للبوصلة، وجماعات غير شرعية سعت لتدمير ذلك الأمل، لم يعد مجلس النواب قادرًا على أن يكون محركًا فاعلًا للقرار الوطني. تعطلت اجتماعاته، وتكاثر الفراغات السياسية، وأصبح تأثيره في القضايا الحيوية شبه معدوم. والنتيجة كانت تدميرًا للفرص، وتمزيقًا للمجتمع اليمني.

لكن هذا الغياب لم يكن نتيجة لحالة عارضة، بل هو نتيجة لتراكمات من التحديات الداخلية والخارجية التي أضعفت قدرة مجلس النواب على الوفاء بدوره التشريعي والرقابي، من انقسامات سياسية حادة، إلى تدخلات قوى خارجية، وصولًا إلى غياب الإرادة الوطنية لإعادة تفعيل المجلس وتنشيط دوره في حل الأزمات. إن الوقت قد حان لنعيد بناء هذا الصرح المؤسسي العظيم، ليعود ليكون صانع القرار ومؤثرًا في مسار السلام والتنمية.

أسباب ضعف وغياب دور مجلس النواب عن القيام بواجباته:

  • كما هو معروف لم تُجرَ انتخابات برلمانية في اليمن منذ عام 2003، الأمر الذي جعل المجلس الحالي مستمرًا لما يقارب عشرين عامًا، عبر تمديدات متكررة غير نابعة من إرادة شعبية.  هذا الوضع أنتج مجلسًا ضعيفاً في فعاليته وأدواره السياسية أمام الشعب، إذ لم يعد يعبر عن الإرادة الشعبية المتجددة، ولا يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها اليمن منذ 2011.
  •   بقاء نفس الشخصيات والكتل دون تداول حقيقي أضعف ثقة المواطنين بالمجلس كمؤسسة تمثيلية. مما جعل المجلس يتحوّل إلى نادٍ سياسي مغلق يخدم بقاء النخب القديمة أكثر من كونه سلطة رقابية وتشريعية فاعلة.
  • هذا الضعف الذي يمر به المجلس سهّل تهميشه من الأطراف السياسية، واستبداله بكيانات بديلة مما زاد من تعطيله.
  • من المؤسف أنّ المجلس لم يحافظ على حياده كمؤسسة تشريعية وطنية، بل انخرط أعضاؤه في الاستقطاب السياسي، مما أفقده دوره كمراقب ومُشرّع.
  • بدل أن يكون البرلمان وسيطًا بين الفرقاء السياسيين، أصبح جزءًا من الأزمة، ومرتهنًا لمواقف أطراف النزاع.
  • رغم الانقسامات والحرب، كان يمكن للمجلس أن يفعّل لجانًا مصغّرة أو يُصدر بيانات موحدة لحماية دوره ومكانته، لكنه اختار الصمت في كثير من الأحداث والمواقف.
  • غياب أي محاولة حقيقية لاستعادة زمام المبادرة والقيام بالدور المطلوب يدل على ضعف وعدم تحمل للمسؤولية.
  • جموع اليمنيين ترقب دوراً للمجلس في أزماته ، لكن المجلس للأسف فشل في أن يكون صوتًا للشعب في الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تضاعفت خلال الحرب.
  • للأسف الشديد أصبح دور المجلس اليوم متوقف فقط لتمرير أي أغراض سياسية، ويتم منعه من القيام بأي أدوار رقابية أو تشريعية.

الأثار المترتبة عن تعطيل دور مجلس النواب:

رغم أن الدستور اليمني يمنح مجلس النواب صلاحيات واسعة في التشريع والرقابة على أعمال الحكومة، فإن واقع الحال يُظهر أن المجلس قد فقد فعاليته وتحول إلى كيان معطل سياسيًا ومؤسسيًا منذ سنوات. فبدلاً من أن يكون صوتًا ممثلًا للإرادة الشعبية، ورافعة للديمقراطية، أصبح جزءًا من أزمة الشرعية التي تعاني منها الدولة اليمنية منذ اندلاع الحرب في عام 2015.

إن تعطيل مجلس النواب اليمني لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب والانقسام السياسي، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق ببنية النظام السياسي نفسه، وبغياب الإرادة السياسية لإعادة تفعيل المؤسسات على أسس دستورية وتمثيلية. فالمجلس لم يُعقد بكامل أعضائه منذ سنوات، وانقسم إلى جناحين متنازعين بين صنعاء وعدن، كل منهما يدّعي الشرعية ويمارس صلاحياته في ظل بيئة سياسية منغلقة.

هذا التعطيل أدى إلى فراغ تشريعي كبير، حيث بات إصدار القوانين يتم عبر قرارات فردية أو مراسيم من جهات تنفيذية ، دون رقابة برلمانية أو نقاش مؤسسي. وبالتالي، تُتخذ قرارات مصيرية تمس حياة المواطنين، دون أي مساءلة حقيقية، مما يُضعف من مبدأ سيادة القانون، ويكرس هيمنة السلطة التنفيذية على المجال السياسي.

أما الدور الرقابي للمجلس، فقد شُلّ تمامًا. فلا وجود لمساءلة وزراء، ولا مناقشة لسياسات مالية، ولا رقابة على الأداء الحكومي أو ميزانيات الدولة. وفي ظل هذا الغياب، تفاقمت مظاهر الفساد، وانعدمت الشفافية في إدارة الموارد العامة، خصوصًا في ظل تقارير متكررة عن اختلالات مالية في المناطق الخاضعة لسيطرة مختلف الأطراف المتنازعة.

تبعًا لذلك، فإن مجلس النواب اليمني اليوم لا يُعبر عن التعدد السياسي والاجتماعي في البلاد، ولا يُمارس دوره المفترض كجسر بين المواطن والدولة. بل إن وجوده بشكل صوري أو منقسم يزيد من تعقيد الأزمة، لأنه يُضفي شرعية زائفة على طرفي النزاع دون أن يملك القدرة على المبادرة أو الحل.

والأكثر خطورة هو أن استمرار هذا الوضع يغذي الانقسام المؤسسي والسياسي في البلاد، ويُرسّخ ثقافة الاستبداد واللامساءلة، حيث تُختزل الدولة في أشخاص أو جماعات بعينها، دون وجود مؤسسة تمثيلية تضبط ميزان السلطة. وهو ما يُجهض أي محاولة لبناء دولة حديثة تقوم على المشاركة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة.

في المحصلة، فإن استعادة دور مجلس النواب اليمني لن يتحقق إلا من خلال تسوية سياسية شاملة تُعيد بناء المؤسسات على قاعدة توافق وطني، تشمل إصلاح القانون الانتخابي، وضمان تمثيل عادل، وفصل حقيقي بين السلطات. أما إبقاء المجلس في حالة شلل أو استخدامه كأداة دعائية من هذا الطرف أو ذاك، فهو إهانة لفكرة البرلمان ذاتها، ومؤشر خطير على استمرار تقويض الدولة ومبدأ السيادة الشعبية في اليمن.

التحديات التي تعوق تفعيل دور مجلس النواب اليمني:

يُواجه مجلس النواب اليمني تحديات متعددة ومعقدة جعلت منه مؤسسة معطلة منذ اندلاع الأزمة السياسية والعسكرية في عام 2015. ورغم أن الدستور اليمني يمنح المجلس صلاحيات رقابية وتشريعية واسعة، إلا أن جملة من العوامل البنيوية والسياسية والأمنية حالت دون تفعيل دوره، وجعلته جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون أداة للحل. إضافةً إلى وجود مجموعة من التحديات منها:

  1. الانقسام الحاد في مجلس القيادة الرئاسي من أبرز التحديات التي تواجه البرلمان اليمني. هذا الانقسام جعل من البرلمان مؤسسة ضعيفة في أداء مهامه ، وفي عقد جلساته.
  • الأمن والانهيار المؤسسي. الوضع الأمني الهش في معظم المحافظات اليمنية يعوق قدرة أعضاء البرلمان على التحرك بحرية أو الانعقاد في ظروف آمنة. فحتى تلك الجلسات التي عُقدت في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، لم تكن سوى محاولات رمزية، في ظل تهديدات أمنية، وغياب بنية تحتية مؤسسية حقيقية للعمل البرلماني.
  • ضعف استقلالية مجلس النواب عن السلطة التنفيذية. ففي كثير من الحالات، تم استخدام النواب كأدوات سياسية لشرعنة قرارات الحكومة أو القوى المسيطرة، دون تمكينهم من أداء دورهم الرقابي بحرية. كما غابت لجان المتابعة والمحاسبة، وغُيبت الأطر المهنية التي تعزز من كفاءة العمل البرلماني.
  • تآكل الحياة الحزبية والتعددية السياسية ساهم في تحويل مجلس النواب إلى ساحة للولاءات والانقسامات، بدلًا من أن يكون منصة للحوار والتوافق الوطني. فمع غياب انتخابات برلمانية منذ 2003، واستمرار التمديد للمجلس، فقدت هذه المؤسسة شرعيتها التمثيلية الفعلية، وباتت عاجزة عن التعبير عن الإرادة الشعبية أو مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية.
  • غياب الدعم الدولي والمؤسسي لتفعيل المجلس. في الوقت الذي يحظى فيه المسار التفاوضي والدبلوماسي بدعم دولي واسع، لم يتم إيلاء مجلس النواب الأهمية الكافية في مسار إعادة بناء المؤسسات. ونتيجة لذلك، لم تُخصص جهود ملموسة لإعادة تأهيل المجلس أو توفير بيئة قانونية وسياسية تمكّنه من استعادة دوره.
  • عدم وجود مقر ثابت مخصص لأداء المهام الإدارية والتنسيقية. هذا الغياب لا يقتصر فقط على تعطيل الأعمال اليومية الأساسية، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على قدرة الأمانة العامة على تنظيم الاجتماعات، إدارة الملفات، وتنفيذ القرارات بشكل فعال.
  • موقف التحالف العربي، وعدم تحمسهم لعقد جلسات المجلس بشكل منتظم. مما  يعكس رغبة في الحد من قدرة المجلس على ممارسة صلاحياته الدستورية والرقابية بشكل كامل، وهذا يؤدي إلى تهميش دوره الرقابي في مراقبة أداء الحكومة والتحقق من تنفيذ القرارات.

السيناريوهات المقترحة لتفعيل مجلس النواب اليمني.

في ظل تعطّل مجلس النواب اليمني منذ سنوات، وتآكل شرعيته التمثيلية، وغياب انعقاداته المنتظمة، تبرز الحاجة إلى تصورات عملية لتفعيل دوره التشريعي والرقابي في إطار مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة اليمنية. وفيما يلي أبرز السيناريوهات المحتملة:

السيناريو الأول: إعادة توحيد البرلمان في إطار تسوية سياسية شاملة. يتحقق هذا السيناريو ضمن اتفاق سياسي وطني، يشمل كافة الأطراف المتنازعة، ويهدف إلى إعادة توحيد مؤسسات الدولة، بما في ذلك مجلس النواب.

السيناريو الثاني: عقد مجلس نيابي انتقالي مؤقت (بمشاركة موسعة). من خلال إعادة تشكيل مجلس نيابي مؤقت بتركيبة توافقية تشمل ممثلين عن القوى السياسية، ومكونات اجتماعية ومدنية، ليقوم بدور تشريعي مؤقت إلى حين إجراء انتخابات.

السيناريو الثالث: تفعيل المجلس الحالي جزئيًا في المناطق المحررة. إعادة انعقاد مجلس النواب الحالي، بالنواب المتواجدين في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا.

الخاتمة:

في ضوء التحديات البنيوية والسياسية التي يواجهها مجلس النواب اليمني، يبدو أن استعادة دوره الفعّال لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو ترتيبات شكلية، بل من خلال مقاربة شاملة تنطلق من تسوية سياسية عادلة تضع في أولوياتها إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس تشاركية، شفافة، وتوافقية. ويُعد البرلمان أحد أبرز معايير استعادة الشرعية السياسية والدستورية، إذ يمثل الضامن لعملية التشريع والرقابة الشعبية في أي نظام ديمقراطي.

وبينما تتفاوت السيناريوهات من حيث واقعيتها وفرص تحققها، فإن تفعيل مجلس النواب يجب ألا يُختزل في مجرد عقد جلسات شكلية، بل في إعادة تعريف دوره ضمن مشروع وطني جامع يعالج أزمة التمثيل، ويستجيب للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي أفرزتها سنوات الحرب. وفي هذا السياق، فإن المسار الأكثر قابلية للحياة هو ذلك الذي يدمج بين التوافق المرحلي والتهيئة لبناء مؤسسات شرعية من خلال انتخابات حرة وشاملة، تضمن تمثيل جميع الأطراف والمكونات الوطنية.

من هنا، فإن أي خطوة نحو تفعيل المجلس دون معالجة جذور الانقسام، أو دون ضمانات واضحة للاستقلالية ، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات دستورية هشة. وعليه، فإن إنجاح أي من السيناريوهات المقترحة يستدعي إرادة سياسية صادقة، وضغطًا مجتمعيًا فاعلًا، ودعمًا دوليًا متوازنًا لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة اليمنية، وفي مقدمتها السلطة التشريعية.

التوصيات:

  1. ينبغي أن يكون تفعيل مجلس النواب بندًا رئيسيًا ضمن أي اتفاق سياسي أو تفاهم وطني.
  2. توفير ضمانات أمنية للنواب الراغبين في ممارسة مهامهم، بما في ذلك تأمين مكان انعقاد آمن ومحايد ، وتسهيل حرية التنقل لأعضاء المجلس.
  3. ضرورة دعم البنية المؤسسية لمجلس النواب، عبر برامج تأهيل فني وتشريعي، ودعم تقني من شركاء دوليين أو منظمات متخصصة، لضمان جودة الأداء في حال استئناف العمل البرلماني.
  4. دعوة الأطراف الدولية المعنية بالشأن اليمني إلى دعم تفعيل مجلس النواب كجزء من مشروع بناء الدولة، دون فرض نماذج جاهزة أو انحياز لأي طرف، مع احترام السيادة الوطنية.

المراجع:

  • تقرير الأمم المتحدة حول الوضع السياسي في اليمن (2019).

  “Yemen’s Political Divide and the Collapse of its Institutions”-  تقرير لمؤسسة “CRS” (Congressional Research Service).

  • تقرير “The Role of Parliament in Yemen’s Crisis” منشور في “The Middle East Institute”.
  • تقرير منظمة “الشفافية الدولية” حول الوضع الأمني في اليمن.
  • دراسة “Yemen: The Politics of External Intervention” من جامعة “جونز هوبكنز”.
  •   تقرير البنك الدولي حول الاقتصاد اليمني (2020).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى