آخر الأخبارتقدير موقف

سيناريوهات حرب إسرائيل إيران في منطقة ملتهبة

أنور بن قاسم الخضري

تمهيد:

مجدَّدًا، تشهد منطقة الشرق الأوسط حربًا جديدة، على إثر الهجمات التي قامت بها الولايات المتَّحدة الأمريكية و(إسرائيل) ضدَّ إيران، في 28 فبراير الماضي (2026م)، في ثاني حرب يشنُّها الطرفان على طهران، وذلك بعد الهجوم الذي قاموا به ضدَّها، في 13 يونيو 2025م، واستمرَّ مدَّة (12) يومًا، واستهدف: مواقع البرنامج النووي، ومنشآت عسكرية، ومناطق سكنية فيها قيادات عسكرية وعلماء وخبراء نوويُّون. ورغم مرور (23) يومًا على هذه الحرب بات أفق انتهاء هذه الحرب ومسارها غير واضح في ظلِّ تخبُّط تصريحات القيادة الأمريكية و(الإسرائيلية) في تحديد الأهداف وتعيين المدَّة الزمنيَّة والسقف النهائي للحرب.

هذه الورقة تحاول تقديم سيناريوهات محتملة للحرب في ضوء السياقات والتداعيات الجارية، علمًا بأنَّ الحرب لا تزال فتيَّة رغم كلِّ ما تحقَّق فيها للطرفين.

دوافع الحرب:

مِن المهمِّ جدًّا عند الحديث عن سيناريوهات الحرب المحتملة البحث عن دوافع وأهداف الأطراف المتصارعة، كون هذه الدوافع والأهداف مؤثِّرة في نظرة تلك الأطراف للحرب وكيفيَّة حسمها.

أوَّلًا: دوافع وأهداف (إسرائيل):

تخضع حرب (إسرائيل) الراهنة ضدَّ إيران لمزيج مِن الدوافع والأهداف الدينية والسياسية والأمنية، تشكَّلت حصيلة عقود مِن الصراع الذي خاضته في المنطقة للحفاظ على وجودها وتعزيز نفوذها بها.

وأبرز دافع ديني لحرب (إسرائيل) الراهنة ضدَّ إيران هو ذلك الإيمان العميق لدى “الصهاينة” بأنَّ الحرب ضدَّ إيران معركة وجودية بين شعب (إسرائيل) وأعدائه التاريخيين، لهذا يجري استحضار القصص التوراتية التي تتحدَّث عن صراع مع قوى شرٍّ تسعى لإبادة اليهود، وعن معركة كبرى تمهِّد لانتصار اليهود وإعادة بناء الهيكل حسب ما ورد في التوراة. هذا الخطاب الذي يتزعَّمه حاخامات ورجال دين حاضر بقوَّة في الوعي الإسرائيلي، خصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر 2023م، ويجد صداه في دوائر صنع القرار والسياسة. لهذا تحضر مصطلحات توراتية على صعيد القيادة والنخب السياسية الإسرائيلية. فقد استخدم رئيس الوزراء (الإسرائيلي)، “نتنياهو”، مصطلح “العماليق” في أحد خطاباته، واستشهد بنصٍّ توراتي يتعلَّق بضرورة تذكُّر ما فعله “العماليق” ببني (إسرائيل). والتيَّار الديني اليهودي حاضر ومؤثِّر في السياسة الإسرائيلية، وهو تيَّار قومي متعصِّب يرى أنَّ بقاء دولة (إسرائيل) وتفوُّقها العسكري جزء مِن الإيمان الديني والتاريخي المرتبط بفكرة “أرض إسرائيل”. وهو ممثَّل في أحزاب ومسئولين وكيانات دينية ومدنية.

أمَّا بشأن الأهداف التي تسعى لها (إسرائيل) فهي كما يلي:

1. منع إيران مِن امتلاك سلاح نووي:

وهو الدافع الأبرز الذي تعلنه إسرائيل رسميًّا، فهي ترى أنَّ البرنامج النووي الإيراني قد يقترب مِن مرحلة إنتاج سلاح نووي، ما يعني تحوُّل إيران إلى دولة نووية، وهذا بدوره يقتضي في ظلِّ أحلامها التوسُّعية في المنطقة عبر أذرعها الموالية لها في الأوساط والحواضن الشيعية، في كلٍّ مِن: العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج، ومع امتلاكها لبرامج إنتاج صواريخ بعيدة المدى، أن تكون تهديدًا وجوديًّا للكيان المحتلِّ. لهذا تعتبر إسرائيل ضرب إيران إجراءً وقائيًّا استباقيًا لإزالة “التهديد الوجودي”، قبل أن تصل إيران إلى ما مرحلة الحصانة النووية.

2.  إنهاء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط:

تسعى إسرائيل مؤخَّرًا لأن تكون هي القوَّة الإقليمية المسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بعد زوال التهديدات المحيطة بها، وتحوُّل الدول المحيطة بها إلى دول ضعيفة وهشَّة. وتعدُّ إيران التي بنت خلال عقود مضت شبكة ولاءات وتحالفات إقليمية منافسًا قويًّا ومزاحمًا لها، لا على مستوى المنطقة بل على حدودها، حيث فرضت وجودها في لبنان (الحدود الشمالية لإسرائيل)، وغزَّة (الحدود الجنوبية لإسرائيل)، فضلًا عن العراق وسوريا واليمن (حيث مضيق باب المندب). وهذا بدوره دفع إسرائيل لتوجيه ضربات حاسمة ضدَّ “حماس” في غزَّة، و”حزب الله” في لبنان، ووسَّعت عمليَّاتها باتِّجاه جماعة الحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق. ونظرًا لبقاء الدعم الإيراني لهذه القوى باعتبارها جزءًا مِن “محور المقاومة” الذي ترعاه في المنطقة كان ولا بدَّ مِن توجيه ضربات مماثلة للنظام الإيراني كونه العقل المدبِّر الذي يدير هذه الشبكة العسكرية والسياسية في المنطقة.

3. القضاء على النظام الإيراني بشكل نهائي:

في مؤدَّى دوافع إسرائيل القضاء على النظام الإيراني بشكل نهائي، وإنهاء خطره وتهديداته بشكل تامٍّ، ما يعطي الكيان المحتلَّ فرصة التحرُّك نحو أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية أخرى، بما في ذلك مواجهة الخطر التركي وإدخال الأنظمة العربية في اتِّفاقات “أبراهم” للتطبيع معها بشكل تامٍّ، بما يتيح لها الحضور والهيمنة الاقتصادية والأمنية والسياسية. ولهذا لا تزال الهجمات الإسرائيلية تستهدف كلَّ مقدَّرات ومفاصل النظام الإيراني، وقياداته ورموزه، فارضة المزيد مِن الوقت للاستمرار في الحرب والقيام بهذه العمليَّات منفردة أو بالاشتراك مع القوَّات الأمريكية.

لقد كانت إيران وأذرعها جزءًا مِن أدوات الغرب في إضعاف وتفتيت دول المنطقة وضرب قواها المقاومة والحيَّة خلال العقدين الماضيين (2003م- 2023م)، ومِن ثمَّ فقد انتهت الحاجة إليها بعد تدمير العراق وسوريا ولبنان وتحويلها إلى دول ضعيفة وهشَّة، ولن يسمح لها بالبقاء وبناء وجود ونفوذ خاصٍّ بها.

4. إعادة تشكيل الشرق الأوسط:

أعلنت إدارة “بنيامين نتنياهو” في أكثر مِن مناسبة عن رغبتها في تغيير خارطة الشرق الأوسط، وإعادة رسم خارطة إسرائيل حسب منظور “إسرائيل الكبرى” مِن النهر إلى النهر. هذا المخطَّط الذي تعمل عليه إسرائيل -والقوى الغربية مِن ورائها- يفرض إضعاف الدول القائمة وتفتيتها إلى وحدات أصغر، بما في ذلك إيران.

هذه الدوافع لا تمنع مِن وجود حسابات سياسية خاصَّة بـ”نتنياهو” وفريق حكومته الحالية، مِن حيث صناعة مجد له، وكسب الانتخابات القادمة، والهروب مِن القضاء، وكسب تعاطف الإسرائيليين بالانتقام مِن إيران التي تسبَّبت في أحداث 7 أكتوبر 2023م، وغير ذلك مِن حسابات ثانوية.

وقد استثمرت الحكومة الإسرائيلية الحالية ظروف الاحتجاجات الشعبية المتزايدة التي يواجهها النظام الإيراني داخليًّا، وحالة التهديد الذي يمثِّله لدول وشعوب المنطقة، وأحداث 7 أكتوبر 2023م، ووصول “دونالد ترمب” إلى سدَّة الحكم، للقيام بشنِّ هذه الحرب ضدَّ إيران.

ثانياً: دوافع وأهداف الولايات المتَّحدة الأمريكية:

اشتراك الولايات المتَّحدة الأمريكية مع (إسرائيل) في الحرب ضدَّ إيران لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى حزمة مِن الدوافع والأهداف الخاصَّة بواشنطن. وفيما يلي أبرز الأهداف:

1. منع إيران مِن امتلاك سلاح نووي:

وهو سبب معلن ورسمي للإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي، فامتلاك إيران سلاحًا نوويًّا سيغيِّر ميزان القوى في الشرق الأوسط، وسيفتح سباقًا للتسلُّح بين دول المنطقة، ما يهدِّد المصالح الأمريكية. وهنا تلتقي المصلحة الأمريكية مع المصلحة الإسرائيلية، لهذا تسعى الضربات العسكرية الأمريكية إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل أساس. لهذا وجَّهت الولايات المتَّحدة ضربة قوية للبرنامج النووي في حرب (12) يوما عام 2025م، بعد فشل المفاوضات معها لأجل إيقاف البرنامج النووي والتراجع عنه. ويتبع هذا الهدف إيقاف ومنع إيران مِن الاستمرار في بناء قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، بما يهدِّد الوجود والمصالح الأمريكية.

2. حماية (إسرائيل) وتفوُّقها في المنطقة:

تهدف القوى الغربية، وبدرجة أساسية بريطانيا والولايات المتَّحدة، للحفاظ على تفوُّق إسرائيل عسكريًّا وأمنيًّا في المنطقة، باعتبارها الحليف الإستراتيجي والأداة الأنسب لتطويع المنطقة. ومِن ثمَّ فالدفاع عن إسرائيل إزاء أيِّ تهديد عليها يعدُّ جزءًا مِن التزامات بريطانيا والولايات المتَّحدة الإستراتيجية، وضرب إيران وتدمير برنامجها النووي وإفقادها نفوذها وتفوُّقها العسكري يأتي في هذا الإطار، فالغرب يتشكَّك مِن ولاء النظام الإيراني ويخشى مِن تحالفاته مع الشرق (روسيا، الصين). وفي حين تقوِّض الضربات العسكرية النفوذ الإيراني الإقليمي تتيح المجال لتمدُّد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة لصالح الأجندات الغربية. خصوصًا مع رغبة الولايات المتَّحدة للتوجُّه للملفِّ الصيني.

4. تغيير النظام الإيراني بنظام موالٍ للغرب:

يبدو أنَّ الولايات المتَّحدة باتت مقتنعة مِن أيِّ وقت مضى بأنَّ وجود النظام الإيراني الحالي استنفد أغراضه ولا بدَّ مِن تغييره بنظام جديد، خصوصًا أنَّ إيران خرجت مِ بيت الطاعة ومدَّت جسور علاقاتها وتحالفاتها مع المعسكر الشرقي في أكثر مِن ملفٍّ إقليمي ودولي. لهذا استهدفت ومِن خلال ضربة عسكرية قاضية رأس النظام، متمثِّلًا في المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، وعدد مِن قيادات النظام، وباتت تطالب بصريح العبارة بتعيين قيادة جديدة مناسبة لها، حدَّ أنَّ الرئيس الأمريكي، “دونالد ترمب”، عبَّر عن رغبته في المساهمة في اختيار المرشد القادم!

وتعتقد بعض الدوائر الأمريكية أنَّ الضربات العسكرية قد تتيح لثورة شعبية أو انقلاب داخلي، وهي تهيِّئ منذ فترة في المعارضة الخارجية والداخلية للقيام بأدوار كهذه. غير أنَّ هذه التوقُّعات حتَّى اللحظة لم تحدث على أرض الواقع، فالنظام الإيراني بدا أكثر تماسكًا وأكثر استعدادً وشراسة لمواجهة أيِّ تحرُّك معارض مسلَّح أو ثورة شعبية.

هذا فضلًا عن دوافع أخرى تتعلَّق بشخصية الرئيس “ترمب”، وخضوعه لإرادة “نتنياهو”، ومحاولته صرف الأنظار عن قضية “إبستين” التي ظهرت خلال الفترة الماضية وشغلت الرأي العام الإمريكي.

بالإضافة لما سبق، فإنَّه بدى واضحًا رغبة واشنطن وتل أبيب لانخراط دول الخليج والمنطقة في الحرب الجارية لعدَّة غايات، مِنها:

  1. إدخال المنطقة في دوَّامة صراع سياسي مذهبي واسع، يدمِّر قدراتها العسكرية ويمزِّق نسيجها الاجتماعي ويهدِّد استقرارها السياسي.
  2. تحميل دول الخليج خصوصًا تبعات الحرب المادِّية والمالية بحيث يجري استنزافها وبيع السلاح لها.
  3. خلق فوضى مناسبة للقضاء على قوى وإبراز قوى جديدة في المنطقة، فلا تزال ورقة اللعب بالأقليَّات والمليشيَّات المنفلتة مطروحة حتَّى اللحظة.

نتائج الحرب حتَّى اللحظة:

وضعت واشنطن وتل أبيب البرنامج النووي الإيراني مبرِّرًا رئيسًا للحرب الجارية مِن قبلهما ضدَّ إيران، خصوصًا بعد فشل المباحثات والمفاوضات المختلفة التي جرت في هذا الشأن. ولم تؤدِّ ضربات (12) يومًا عام 2025م، والتي وجِّهت إلى منشأة “نطنز” لتخصيب اليورانيوم ومنشآت أخرى قرب أصفهان وأخرى مرتبطة بتصميم السلاح النووي، إلى القضاء المبرم على البرنامج النووي الإيراني، أو اغتيال خبراء المشروع الإيرانيين، وإن جرى إلحاق أضرار كبيرة به، ما يعني تأخير مسار البرنامج إلى أجل مسمَّى. وكذلك الأمر بالنسبة للحرب الجارية، حيث بات الحديث عن ضرورة نزع اليورانيوم المخصَّب هدفًا حاضرًا لضمان عدم عودة إيران لتخصيبه مجدَّدًا وصناعة قنبلة نووية.

ورغم حالة التفاؤل الإسرائيلي الأمريكي التي سادت عقب حرب (12) يومًا، والحديث عن القضاء على البرنامج النووي، إلَّا أنَّ تقييم الأجهزة الاستخباراتية حذَّرت مِن أنَّ الضربات لم تدمِّر المنشآت العميقة بالكامل، وربَّما أخرت البرنامج لأشهر فقط، مع بقاء مخزون اليورانيوم المخصَّب كما هو؛ حيث يمكن تعويض أجهزة الطرد المركزي التي أتلفت نتيجة الضربة، وتشغيل المشروع مجدَّدًا مع وجود العلماء والخبراء والكوادر الفنيَّة. وحتَّى الآن لا يزال مخزون إيران مِن اليورانيوم في يد النظام الإيراني، ويرفض تسليمه للغرب، لهذا لا تزال واشنطن تضع خطَّة انتزاعه مِن خلال عمل عسكري برِّي أو بتدميره بشكل أكبر مِن خلال تكرار القصف العميق.

أمَّا على صعيد النظام الإيراني وأذرعه الموالية له في المنطقة، فرغم الضربات التي وجِّهت حتَّى الآن للقيادات الإيرانية وتلك التابعة لها في المنطقة إلَّا أنَّ النظام الإيراني لا زال متماسكًا ومحافظًا على كيانه، ولا تزال قدرات الجماعات الموالية له تعمل على صعيد لبنان والعراق، وقد تلتحق جماعة الحوثي إلى المعركة حال فرض عليها ذلك ولم تتمكَّن مِن عقد صفقة مع “التحالف العربي”، والشرعية اليمنية.

وعلى عكس المتوقَّع، أظهرت الحرب قدرات الجانب الإيراني الصاروخية، والتي جرى بناءها خلال عقود، وما حقَّقته مِن مستويات متقدِّمة؛ بالإضافة إلى الطائرات الهجومية المسيَّرة بما شكَّلته مِن تهديد للمصالح الأمريكية في منطقة الخليج وعلى مستوى الكيان المحتل ذاته. والأمر لا يتوقَّف عند حدود النوع، بل وكمِّ المخزون الذي فاجأ واشنطن وتل أبيب، حيث لا تزال طهران تقصف القواعد الأمريكية على مستوى المنطقة والكيان المحتل، يوميًّا وعلى مدار الساعة. هذا مع توفُّر قاعدة بيانات واسعة عن الوجود الأمريكي الاستخباراتي والعسكري في المنطقة، والوصول لأهداف حسَّاسة تتمثَّل في رادارات وشبكات اتِّصال وتنصُّت.

كما أظهرت الحرب صلابة النظام الإيراني وتماسكه واستعداده للحرب سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا، وعلى مستوى بنيته القيادية الدينية والسياسية والعسكرية. ويحافظ النظام على سقف مرتفع مٍن الخطاب الندِّي لواشنطن وتل أبيب، والمتحدِّي في الوقت ذاته. وهو ما أربك الإدارتين الإسرائيلية والأمريكية.

سيناريوهات الحرب:

كشفت الحرب الجارية حتَّى الآن، اليوم الثالث والعشرين، عن شراسة بين كلٍّ مِن إيران مِن جهة وإسرائيل والولايات المتَّحدة مِن جهة أخرى، مع خسارة بالغة لدى الطرف الإيراني في ظلِّ حرب غير متكافئة وميزان قوى يرجح لصالح إسرائيل والولايات المتَّحدة. فقد خسرت إيران قياداتها العليا، وفي مقدِّمتهم المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، كما أنَّ معظم سلاح الجو والدفاعات الجوية والقطع العسكرية البحرية دُمِّرت، ودمِّرت عدد مِن مخازن السلاح والصواريخ والمنشآت الحيوية والبنى التحتية.

الولايات المتحدة -مِن جهتها- تلقَّت ضربات موجعة لقواعدها العسكرية وراداراتها المتقدِّمة في المنطقة، ما تسبَّب بأضرار في المعدِّات ومقتل عدد مِن الجنود، وهناك حوادث عن سقوط طائرات وإسقاطها. ومؤخَّرًا تمكَّنت إيران مِن استهداف قاعدة “دييغو غارسيا” البريطانية، القابعة في المحيط الهندي (على بعد 4 آلاف كيلومتر مِن إيران)، والتي تستضيف قطع وقوَّات عسكرية أمريكية.

كما تلقَّت إسرائيل ضربات موجعة عبر قصفها بصواريخ بالستية وفرط صوتية وانشطارية وطائرات مسيَّرة، ما أضرَّ بمنشآت وملاجئ ومجمَّعات سكنية، مع مقتل عدد مِن المستوطنين. وآخرها الصاروخ الذي استهدف مدينة ديمونة وتمكَّن مِن الوصول والإصابة، رغم كلِّ أغلفة الدفاعات الجويَّة التي حاولت إسقاطه.

ولا تزال القواعد الأمريكية وإسرائيل تتلقَّى ضربات مستمرَّة في ظلِّ تراجع قدرات الدفاعات الجويَّة. ولا يفصح الطرفان عن عدد القتلى بشكل واضح وصريح وشفَّاف رغم ما تظهره المقاطع المصوَّرة والمنشورة مِن دمار وحريق.

وفي ضوء المعطيات السابقة يمكن القول بأنَّ هناك عدَّة سيناريوهات متوقَّعة، وهي:

١- تراجع وتيرة الحرب تدريجيًّا، حدَّ الوصول إلى وقف الحرب تمامًا، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وربَّما أعلن كلُّ طرف انتصاره بمنظوره الخاصِّ أمام جمهوره. وهذا ما بدت بوادره تتسرَّب في تصريحات “ترمب” والمسئولين الإسرائيليين، في ظلِّ الحديث عن أهداف بمستوى متدنِّي وقناعة بما جرى تحقيقه حتَّى الآن. وقد سبق خلال الحرب الماضية الخروج مِن الصراع مِن خلال إعلان إيقاف الحرب وتحقيق نتائج مضمونة وأكيدة بشأن تعطُّل/ تدمير البرنامج النووي. وهذا الاحتمال وارد جدًّا، خصوصًا في ظلِّ وجود معارضة داخلية ومسبقة في البنتاغون لشنِّ هذه الحرب، وفي ظلِّ الخسائر المكلفة التي تتحمَّلها الولايات المتَّحدة حاليًّا دون غطاء خليجي لها، فقد ذكرت بعض التقارير عن أنَّ كلفة الحرب قد تصل يوميًّا إلى قرابة مليار دولار (مؤخَّرًا طلب البنتاغون ميزانية إضافية بمقدرا 200 مليار دولار)؛ هذا فضلًا عن الخسائر المادِّية التي أصابت القواعد الأمريكية في دول الخليج والعراق والأردن، وسقوط طائرات حربية في الكويت، ومقتل عدد مِن الجنود الأمريكيين دون وضوح عن أسباب الوفاة. كما أنَّ “ترمب” يخشى مِن ردود فعل الناخبين الأمريكيين الرافضين للحرب مع قرب الانتخابات النصفية هذا العام، مع تعالي الأصوات المطالبة بتوقُّف الحرب واعتبارها حربًا إسرائيلية بالأساس.

٢- تصاعد وتيرة الحرب حدَّ حسمها مِن أحد الطرفين بضربة قاضية، ولهذا السيناريو احتمالان:

أ- توجيه ضربة قاضية للنظام الإيراني، إمَّا عبر ضربات صاروخية وجوِّية واسعة، أو باستخدام سلاح نووي. في ظلِّ الخيارات الأخرى المكلفة وغير محسومة النتائج (كالانقلاب والتمرَّد المسلَّح أو الزحف البرِّي)، وقد يكون لها تداعيات واسعة.

ب- توجيه ضربة إيرانية موجعة لإسرائيل ما سيدفعها للضغط باتِّجاه إيقاف الحرب، وهذا يعتمد على مدى جرأة القيادة الإيرانية على اتِّخاذ قرار بهذا المستوى، إذ يمكن للضربات الإيرانية استهداف المجمَّعات المدينة والمصالح الاقتصادية بقوَّة أكبر، غير أنَّها تتجنَّب عملًا كهذا لتبعاته السلبية المحتملة، والتي قد ترتدُّ عليها وتدفع للتعاطف مع إسرائيل وانخراط دول أوربِّية للقتال إلى جانبها.

٣- إيقاف الحرب استجابة لوساطة أو ضغوط دولية، نظرًا للأضرار الواسعة التي بدأت تنتجها الحرب تباعًا على إمدادات الطاقة وما يتبع ذلك مِن آثار اقتصادية. وغالبًا قد تتحرَّك الدول الأوربِّية بهذا الاتِّجاه باعتبارها المتضرِّر الأكبر مِن تبعات الحرب على موارد الطاقة وارتفاع أسعارها.

٤- تدخُّل أطراف جديدة في الصراع، سواء دول أوربِّية، أو دول خليجية، أو روسيا، أو الصين، وهنا سوف يتحوَّل مسار الأحداث مِن حرب محدودة إلى حرب عالمية “ثالثة”. وهو احتمال وارد في ظلِّ ما تتَّبعه إيران مِن سياسة استفزازية ضدَّ دول الخليج، وسياسة تهديد لموارد وأمن الطاقة على المستوى العالمي. وفي حال اتَّسع الصراع بمشاركة أطراف جديدة يمكن أن تأخذ الحرب إحدى الاحتمالات التالية:

١- مشاركة دول أوربية: تصطف الدول الأوربِّية بشكل تقليدي مع الولايات المتَّحدة الأمريكية وخلف إسرائيل. وقد بدأت بعض هذه الدول، في ظلِّ عجز واشنطن وتل أبيب عن حسم الحرب ودعوة “ترمب” لها للمشاركة، تعلن عن إرسال قطع بحرية حربية، والحديث عن المساهمة في إسناد الولايات المتَّحدة أو دول الخليج. وفي حال تداعت الدول الأوربِّية للمشاركة في الحرب، إلى جانب واشنطن وتل أبيب، فإنَّها ستحفِّز بالضرورة دول الخليج للمساهمة في الحرب بشكل أو بآخر. في هذه الحالة ستكون إيران أمام تحدٍّ صعب ما لم تقف روسيا والصين مِن ورائها في حرب واسعة النطاق وطويلة الأجل.

٢- مشاركة دول الخليج: تجنَّبت دول الخليج حتَّى الآن المشاركة في الحرب، رغم محاولة واشنطن وتل أبيب لجرِّها إليها أو إشعار إيران بأنَّها تقف وراءهم وتسهم بدور معهم، وأعلنت حكومات دول الخليج عن نأيها عن الحرب وعدم رضاها بها في الأصل. وفي حال اشتركت دول الخليج في الحرب فإنَّ ذلك سيكون بمثابة فخٍّ كبير لها، حيث قد تتراجع إسرائيل والولايات المتَّحدة عن الحرب تاركة المنطقة تخوض حربًا طائفية مذهبية بامتياز.

٣- مشاركة روسيا أو الصين أو كليهما معًا: تحسب إيران حليفًا للمعسكر الشرقي وإن كانت العلاقات بينها وبين روسيا والصين أقرب للتخادم والتعاون مِنها للتحالف الإستراتيجي. وقد ترى روسيا والصين مِن المناسب توريط الولايات المتَّحدة في مستنقع إيراني يستنزف قواها ويوجِّه لها ضربة إضافيَّة عقب الضربة الأفغانية التي أجبرت واشنطن على الانسحاب مِن أفغانستان عقب احتلالها لـ(20) عامًا. لهذا لا يستبعد أن تقدِّم روسيا والصين دعمًا لوجستيًّا لإيران وإسنادًا بالمعلومات والخبرات، وبعض الأسلحة الخاصَّة بالدفاعات الجوية. ومِن المستبعد جدًّا أن تنخرط الدولتان في الحرب الجارية ما لم يحدث تطوُّر يستدعي ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى