منتدياتورقة البحث

الإرهاب في اليمن “قراءة في النشأة والتطور”

مقدمة:
يعتبر تاريخ الـ3 من نوفمبر 2002، محطة مفصلية في سياق المواجهة مع ما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية الإرهاب، فبعد ثلاثة عشر شهراً من تعرضها لهجات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبعد نحو عامين على الهجوم الذي تعرضت له المدمرة الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية (يو أس أس كول) في عدن، نفذت الولايات المتحدة هذه العملية الخطيرة على الأراضي اليمنية وبتواطؤ كامل لنظام المخلوع صالح.
في هذا اليوم أُستهدف القيادي في تنظيم القاعدة قايد بن سالم بن سنان الحارثي، المكنى بـ: أبو علي الحارثي بأول ضربة جوية من طائرة بدون طيار(الدرونز)، مدشنة سلسلة من الغارات التي لم تتوقف حتى اليوم، وتحولت معها سماء اليمن إلى مسرح مفتوح لنشاط هذا النوع من الاغتيالات الخطيرة التي تتم بأحدث التقنيات، ولا توفر ملاذا للضحية مهما كانت احتياطاته.
التقديرات الأولية تشير إلى ارتقاء نحو (1000) ضحية نتيجة استمرار الاستهداف عبر طيران الدرونز، وهو رقم غير دقيق، لكن الحقيقة أن هذا الطيران ما يزال يعمل ويقتل دون توقف.
لقد تحولت اليمن ابتداء من ذلك التاريخ إلى ساحة حرب مرعبة أحد أطرافها الرئيسية الولايات المتحدة والطرف الآخر أشباح القاعدة الذين يتوارون في وسط الحشود والتجمعات السكانية، ويلوذون بالأماكن الجبلية.
شاهدنا في اليمن الوجه الأكثر قسوة للحرب على الإرهاب الذي أصبح بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول مهمة عالمية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وتدعمها قرارات أممية، والسبب أن هامش الخطأ الناجم عن نشاط الطيران بدون طيار اتسع، ما أدى إلى سقوط المئات من اليمنيين الأبرياء معظمهم من النساء والأطفال ضحية مباشر لهذه الحرب القذرة.

في هذه الورقة سأستعرض عن المظهر الأسوأ في الحرب على الإرهاب في اليمن، والأبعاد السياسية لظاهرة الإرهاب ونشاط جماعات العنف في اليمن، وسأبحث في أثر الصراعات على تطور هذا النشاط، ومدى إسهام القاعدة في تشكيل النظرة العالمية لليمن وصولاً إلى تصور للاستراتيجية المناسبة لمواجهة ظاهرة الإرهاب وجماعات العنف في اليمن..
وسيأتي ذلك من أربعة مداخل أساسية هي:
– المظهر الأسوأ للحرب على الإرهاب.
– ظاهرة الإرهاب.. المشروع والتوظيف السياسي
– التأثيرات الخارجية في سياسات الحرب على القاعدة.
– استراتيجية مواجهة الإرهاب.

المظهر الأسوأ للحرب على الإرهاب
من المهم جداً التركيز على نشاط طائرات الدرونز الأمريكية، فهو المظهر الأكثر قسوة للحرب على الإرهاب في الأرض اليمنية، فهذه الحرب أثقلت الشعب اليمني بأعباء سياسية واقتصادية، وأثرت على تحركاته عبر العالم وحولته إلى شبهة متنقلة عبر المطارات، وضيقت عليه الخيارات في العيش الحر الكريم، وللمفارقة هذه المعاناة والشعب ليس طرفاً في هذه الحرب فهي تدور بين السلطة وجماعات ليس لها موقع واضح في المعركة فتارة تكون ضد السلطة وتارة ورقة بيدها لكنها تبقى هدفاً مستداماً بالنسبة لأمريكا وحربها العالمية على الإرهاب.
واحدة من مظاهر المعاناة التي عاشها جزء من الشعب اليمني في حضرموت وشبوة ومأرب والجوف والبيضاء ظلت غائبة عن أذهان الكثير من اليمنيين، فكل واحد من أبناء هذه المحافظات يعتقد حتى اليوم بأنه هدفٌ محتملٌ لصواريخ (هيلفاير) الموجهة وشديدة الانفجار وشديدة التدمير التي تلقيها الطائرات بدون طيار(الدرونز).
مجرد سماع الطائرة تحلق فوق قرى المحافظات المستهدفة، كان يكفي لإثارة الرعب في أوساط السكان.
أمضيت ثلاثة أشهر من بعد سقوط صنعاء في مدينة عدن، لم تكن سماء المدينة لتهدأ من دوي تحليق الطائرات بدون طيار التي على الرغم من ضجيجها المقلق إلا أنها لا تُرى بسهولة.
لطالما سادت تقديرات مقلقة بالنسبة لسكان المحافظات المستهدفة، ومعظمها في جنوب وشرق ووسط البلاد، الذين كانوا أيضاً يضعون في حساباتهم إمكانيات الوقوع ضحية الإحداثيات الكيدية أو في أحسن الأحوال الخاطئة، التي يتورط فيها جيشٌ من العملاء الميدانيين للأسف الشديد، ومعظمهم مرتبطين بجهاز الاستخبارات(الأمن القومي).
العشرات من المنازل والممتلكات تضررت جراء العمليات الجوية الأمريكية للأسف الشديد دون أن يتسبب ذلك في أن تصبح جرائم كهذه قضية رأي عام على مستوى البلاد.
ظاهرة الإرهاب.. المشروع والتوظيف السياسي

المشروع السياسي:
الفكرة الأصلية التي دفعت بهذه الجماعات المتطرفة إلى الواجهة هي فكرة سياسية في الأساس، وبشكل أدق هي فكرة تتأسس على جذر أحدهما عقائدي والآخر سياسي، العقائدي يتعلق بنقاء العقيدة وصفائها، وواجهتها الصراع بين المذاهب والعقائد.
أما الجذر السياسي فيتعلق بتصور هذه الجماعات لشكل الدولة، ونموذجهم المثالي هو الخلافة..
وفي هذا السياق يمكن فهم التدرج في تكوين ونشوء هذه الجماعات، حيث بدأت جهادية محضة وكان مسرحها أفغانستان حيث اختارت الولايات المتحدة الأمريكية أواخر سبعينيات القرن المنصرم ذلك البلد ساحة لإغراق الاتحاد السوفييتي في حرب لا تمكنه من التموضع في أفغانستان ناهيك عن محاولاته الوصول إلى المياه الدافئة.
تأثر المشروع السياسي للقاعدة بالمتاح الذي وفرته الانتهازية السياسية الداخلية، والتي جسدها المخلوع صالح في مراحل متعددة من مسيرة حكمه، فقد اعتقد أن بقاء القاعدة يعد ضروريا لاستمرار الشراكة مع واشنطن، ولإبقاء ورقته مقبولة لدى القوة العظمى الأولى في العالم.
وحدث أن قام المخلوع صالح بإفساح المجال لأخطر 23 قيادياً مطلوباً على ذمة قضايا إرهابية بالانسحاب من سجن الأمن السياسي الحصين في قلب العاصمة صنعاء ومن من هؤلاء ناصر الوحيشي الذي تزعم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
واصل تنظيم القاعدة نشاطه كحركة جهادية ذات أهداف عقائدية وأخرى سياسية، واعتمدها اسلوباً تكتيكياً وهو توجيه ضربات خاطفة لمصالح الدول العربية والغربية، إلى أن تموضع في مساحات أرتأى أن بوسعه أن يقيم فيه إمارات نموذجية تتأسس على نهج الخلافة.
حدث ذلك في مارس من عام 2011 أي بعد مرور فترة بسيطة على اندلاع ثورة الحادي عشر من فبراير/ شباط من نفس العام عندما توفرت للتنظيم أهم فرصة لتجريب مشروعه السياسي عبر قيام إمارة، وهي مرحلة تسبق الإعلان عن الخلافة، الذي بلغه داعش ورفضت القاعدة التعامل معه رغم التشابه الكبير في ا لمنطلقات بين التنظيمين.
وبدأ القاعدة بالظهور تحت مسمى “أنصار الشريعة”، منذ أواخر عام 2010 على وجه التقريب، وهذه التسمية تشير إلى بداية توجه القاعدة نحو تطبيق النموذج الإسلامي للدولة، من خلال تبنى فكرة تأسيس إمارة في أبين وشبوة.
وعاد وكرر التجربة نفسها في إبريل من عام 2015 أي بعيد فترة قليلة من بدء تدخل التحالف العربي على خط الأزمة في اليمن.
وفي الحالتين شكل ذلك أحد المظاهر الصارخة للتوظيف السياسي للقاعدة وللتنظيمات المتشددة، والتوظيف حدث في حالتي إمارة أبين وإمارة المكلا من قبل صالح عندما كان رئيساً وبعد أن أصبح رئيساً مخلوعاً.
لم يكن ليتسنى لتنظيم القاعدة بلوغ هذه المرحلة لولا أنه استغل الثغرة التي وفرها المخلوع صالح لهذا التنظيم، إلى حد التمكين بالدعم المباشر بالسلاح وبالتواطؤ وبالتضحية أحياناً بالوحدات العسكرية والأمنية وبالشرف العسكري وبالأمانة، وغيرها من القيم التي يتأسس عليها قوام المجتمع والدولة الصالحة.
هذا الدعم مكن القاعدة من تأسيس سلطة ميدانية، معبراً عنها بنموذج الإمارات الإسلامية التي أقامها التنظيم في عدد من مناطق الجنوب على وجه التحديد، بل أن القاعدة تعامل مع اليمن باعتباره دولة إسلامية، وتعامل مع محافظاته باعتبارها ولايات تابعة له..
وهنا يمكن القول إن المشروع السياسي للقاعدة كَبُر وترسَّخ بقدر الفرص التي منحته الانتهازية السياسية للمستفيد من هذا التنظيم وهو المخلوع صالح، والحوثيون، ومن خلفهم إيران.

التوظيف السياسي:
حينما نعود إلى الحرب الأمريكية على الإرهاب في اليمن، فإن من الأهمية بمكان تأكيد أنه لم يكن هناك ما يبرر تورط الحكومة اليمنية في عهد المخلوع صالح وفي عهد خلفه هادي، في جريمة التواطؤ ضد شعبهما سوى نزعة المخلوع صالح وحرصه على جني مكاسب سياسية، ورغبة هادي في الاستفادة من السانحة التي أتيحت له بالوصول إلى سدة الحكم أطول مدة ممكنة.
هذا يدفعنا إلى تتبع الرابط الوثيق بين الحرب الأمريكية على الإرهاب في اليمن، وبين الانتهازية السياسية التي حكمت أداء المخلوع صالح ومن ثم الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، واللذين منحا الحكومة الأمريكية الإذن بممارسة القتل بدون محاكمة في الأرض اليمنية عبر نشاط الطائرات بدون طيار وأحيانً عبر الصواريخ بعيدة المدى والطائرات الحربية كذلك.
ثمن التفويض المطلق لأمريكا في ممارسة هذا القدر البشع من القتل، في الأراضي اليمنية هو سياسي بطبيعة الحال.. وهذا يعني أن الظاهرة الإرهابية تحركها أجندات سياسية بالأساس، ولم تكن لتزدهر هذه الظاهرة لولا وجود أطراف لديها الاستعداد دائماً لهذا النوع من التوظيف السياسي لجماعات العنف.
فالمخلوع صالح لاذ بهذه الحرب لكي يضمن شراكة تمكنه من إنفاذ مشروعه السياسي الخاص وهو مشروع التوريث، ولن يكون هناك من وسيلة أفضل من الدخول في شراكة سيئة من هذا النوع التي مكنته من تعزيز قدراته العسكرية والأمنية، وضمنت له دوراً مستداماً في معركة لا أخلاقية معظم ضحاياها أبرياء.
إن ارتفاع عدد عمليات الاغتيالات التي نفذتها ولا تزال تنفذها الطائرات الأمريكية بدون طيار في اليمن لا يعود إلى كثافة الإرهابيين بل إلى وجود حكومة متواطئة وعملاء لا حصر لهم على الأرض.
لقد أعطت عمليات القتل المرعبة التي استهدفت مواطنين يمنيين انطباعاً بأن أمريكا تحقق نجاحات مبهرة في مكافحة الإرهاب في اليمن، وشجعها لأن تبتكر جيلاً مختلفاً من المجاهدين من ذوي المرجعية الشيعية، هم الحوثيون.
وما الضير لقد سئمت الولايات المتحدة من القتل المجاني في اليمن، وبدأت تشعر بالصداع حيال ارتفاع عدد دعاوى التعويضات التي يرفعها اليمنيون ضدها بعد أن خذلتهم حكومتهم، لقد بدأت بالتفكير في تنويع وسائل وأدوات حربها القذرة في اليمن، ولهذا قررت اللعب بورقة الحوثيين الذين دخلوا في مواجهات مسلحة مع الحكومة منذ عام 2004.
كانت هذه الخطوة هي الأخطر في مسار الحرب الأمريكية على الإرهاب في اليمن، فقد تسببت في حماية الحوثيين والسماح لهم بتكوين قوة عسكرية ضاربة، كان الهدف الأساسي منها هو القيام بعملية استئصال وتقويض لما اعتقدت واشنطن أنها التربة الخصبة لنمو وترعرع وازدهار الإرهاب.
لم يخضْ الحوثيون سوى معركة فاشلة في رداع، وسط تدخل كثيف للطيران الحربي الأمريكي وللطائرات بدون طيار التي كانت تقصف مواقع القبائل الموالية لأنصار الشريعة، إلى حد أن المغفلين من مقاتلي الحوثي حينما كانوا يشاهدون صواريخ الطائرات الأمريكية تستهدف خصومهم ولا تستهدفهم ذهبوا إلى وصف نجاتهم من القصف بأنه ضرب من العناية الإلهية بهم وبرسالتهم.
سياسية تقويض التربة الخصبة، كانت تعني وضع شعب بأكمله رهينة بيد جماعة طائفية تحركها إيران، وربما لم تتوقع أمريكا وحلفاؤها في المنطقة الذين تواطؤ مع سياسية تمكين الحوثيين بهدف القضاء على الربيع اليمني، أن سياسية كهذه ستقود البلاد إلى أسوأ حرب أهلية تشهدها في حياتها، تسببت في قتل أكثر من عشرة آلاف إنسان وتشريد أكثر من مليونين، بالإضافة إلى التدمير الشامل للمدن وانتشار حالة غير مسبوقة من العوز وانعدام الرعاية الصحية.
وصادف ان استخدام الحوثيين كورقة الظاهر في أهدافها هو محاربة القاعدة، قد لاقى هوى من أطراف عديدة، يتصدرها المخلوع صالح، الذي كان قد ساهم في رمي هذه البذرة الطائفية في بيئة خصبة، وأشرف على نموها ورعايتها حتى أصبحت جاهزة للاستخدام. لكن اللافت أن الرئيس هادي استخدم الحوثيين لتحقيق أغراض سياسية قبل أن يطيحوا به.
لقد جرى استثمار الحرب الأمريكية على ما تسميه الإرهاب بشكل صلف من جانب نظام المخلوع صالح وسلفه عبد ربه منصور هادي، وهناك معلومات تفيد بأن هذا الأخير حول الفريق الخاص المعني بإدارة الحرب على القاعدة في الأمن القومي إلى منزله في شارع الستين، وتم منح الجانب الأمريكي صلاحيات مفتوحة للتعامل مع الأهداف الميدانية، التي تعني القتل بذون إذن ولي الأمر المخول شرعاً وقانوناً بإجازة قتل ولا يجب أن يتم ذلك إلا عبر محاكمة عادلة.
لم يكن هناك أسوأ من هذا توظيفاً سياسياً لظاهرة الإرهاب، ولم يكن هناك طرفٌ أكثرُ من صالح وهادي استفادة من هذه الظاهرة.

التأثيرات الخارجية في سياسات الحرب على القاعدة
تنظيم القاعدة، هي تسمية ابتكرتها المخابرات الغربية وارتضاها الجهاديون.
انبثقت فكرة التنظيم من رحم المشروع الجهادي الذي دعمته الولايات المتحدة وكان موجهاً ضد الوجود السوفييتي في أفغانستان، وكان محكوماً بمخاوف أمريكية من أن يصل الاتحاد السوفييتي السابق إلى المياه لدافئة في الخليج وينفاس واشنطن في السيطرة على أهم منابع النفط في العالم.
وكان هناك سبب آخر وهو رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في الانتقام من السوفييت الذين أغرقوها في حرب مدمرة بفيتنام، خرجت منها خاسرة.
وهكذا يمكن القول إن الحركة الجهادية نشأت بتدبير من أجهزة الاستخبارات الأمريكية وبإسناد من حكومات المنطقة، التي كانت في سبعينيات وثمانينات المقرن المنصرم تقاتل حتى تتجنب خطر المد الشيوعي، كما تقاتل اليوم حتى تتجنب مخاطر تمدد الموجة الثورية التي يتهم الإسلاميون بتحريكها في المحيط العربي الكبير.
وتنظيم القاعدة بالنسبة لليمن هو منتج خارجي بامتياز، فهو التعبير الصارخ عن السلفية الجهادية، التي خرجت من عباءة السلفية التقليدية، وهذا الخروج تغذى من التجربة الجهادية الميدانية التي خاضها سلفيو الجزيرة العربية في أفغانستان، وترافق انتشار المذهب السلفي في المنطقة العربية واليمن، مع تنامي السلفية الجهادية، والتي وصلت إلى مرحلة التطابق تقريباً في فترة الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بل أن حركة الإخوان المسلمين نفسها وهي منظمة تميل إلى السلم باتت جزء من الحركة الجهادية إبان فترة الحرب ضد الروس في أفغانستان، وكان هذا بالطبع بتشجيع من الأنظمة العربية.
من مظاهر التأثير الخارجي في الظاهرة الإرهابية باليمن، تشكل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، في أوائل عام 1999، إثر اندماج فرعي التنظيم في اليم والسعودية، وهي الفترة التي شهدت بداية ظهور حركة الإحياء الزيدية التي تحولت فيما بعد إلى ما بات يعرف اليوم بميلشيا الحوثي(أنصار الله)، التي تمثل المعادل الشيعي الموضوعي للقاعدة من حيث المنطلقات والسلوك والنشاط والغايات، مع اختلاف واضح من الناحية العقائدية ومن جهة التصور لشكل الدولة التي يتطلع إليها كلا التنظيمين الإرهابيين.
ظهور هذا المسمى، لم يكن يعني سوى خلق فضاء جغرافي ومتنفس للاحتقان الشديد الذي شهدته المملكة إبان تلك الفترة نتيجة تنامي حجم القاعدة وتنامي أنشطته الإرهابية في أراضيها.
ولهذا شهدنا ما يشبه النزوح للعناصر الإرهابية من المملكة إلى اليمن، هرباً من الملاحقات الأمنية التي ازدادت بشكل كبير ونجحت في احتواء تنظيم القاعدة في المملكة.
كان هناك على ما يبدو ما يشبه المخطط من جانب أجهزة المخابرات السعودية، بأن تصبح اليمن هي الملاذ ليتسنى لها خوض معركة قليلة الكلفة ضد القاعدة في الأراضي اليمنية، وقد نجح هذا المخطط بشكل كبير، حيث تمكنت المملكة من قتل عدد كبير من أعضاء التنظيم السعوديين في الأراضي اليمنية.. وقدمت دعماً كبيراً لطائرات (الدرونز) الأمريكية وتدخل الطيران السعودي في ضرب معاقل القاعدة في اليمن وخصوصاً في أبين وشبوة بعد تأسيس إمارة إسلامية في تلك المناطق في مارس عام 2011.

استراتيجية مواجهة الإرهاب
الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة الإرهاب لم تنجح حتى الآن في استئصال القاعدة، بل أنها أدت إلى ولادة وحش كبير جداً من رحم القاعدة هو تنظيم الدولة الذي أصبح حاكماً في مساحات واسعة من العراق وسورية وصاحب تأثير قوي جداً في المنطقة.
الاستراتيجية الأمريكية اعتمدت على تقوية نفوذ الأنظمة الدكتاتورية التي لا يوجد فارقاً في الإرهاب الذي تمارسه ضد شعوبها عن الإرهاب الذي مارسه ويمارسه تنظيم القاعدة، بل أن هذه الأنظمة ومنها نظام المخلوع صالح، قد تورطت في المتاجرة بالإرهاب وأسست شراكة معه كما أسست شراكة مع واشنطن.
وعلى الرغم من أن أمريكا عمدت إلى دعم وحدات خاصة لمكافحة الإرهاب في اليمن فإن هذه الوحدات سرعان ما تحولت إلى أدوات قوية لتدعيم المشروع السلطوي لصالح.
الاستراتيجية الأمريكية نفسها أنتجت جيلاً جديداً كما سبق وأن أشرت هو جيل المجاهدين الشيعة الذين حملوا على عاتقهم مواجهة تنظيم القاعدة ليس بهدف تخليص اليمن والمنطقة من الإرهاب، وإنما في سبيل استعادة السلطة الإمامية التي تستند إلى نظرية الحق الإلهي.
وقد مثلت الظاهرة الحوثية إحدى تجليات الاستراتيجية الأمريكي التي تقوم على فكرة اللعب بورقة التناقض الطائفي والعقائدي.
لم يواجه اليمن مأساة أسوأ من تلك التي أنتجتها الاستراتيجية الأمريكية، ولا تزال هذه المأساة تعصف باليمن حتى اليوم.
لم تعد ظاهرة الإرهاب تشكل أولوية سوى لدى الأمريكيين والأنظمة المتحالفة معهم، أما بالنسبة لشعوب المنطقة فإن فرق الموت تعددت وأصبح القتل مجاني وعلى قارعة الطريق.
ثمة خطورة في أن تصبح القاعدة مشروعاً لمن لا مشروع له، خصوصاً في ظل الخذلان الذي تعرضت له الشعوب العربية في كل من اليمن ومصر وليبيا وسورية، في هذه المرحلة، حيث استهدف الربيع العربي لأن حامله الأساسي هم الإسلاميون واستهدفت المقاومة لأن معظم محتواها إسلامي.
لا يمكن للمنطقة أن تتعافى من ظاهرة الإرهاب إذا ما استمرت أمريكا والغرب في تبني سياسة دعم الأنظمة الدكتاتورية على غرار ما يجري في مصر، على حساب الديمقراطية وحق الشعوب في إدارة شئونها وفقاً للآلية الديمقراطية.
والوصفة السحرية للتغلب على ظاهرة الإرهاب واحتواء جماعات العنف تشمل مايلي:
– دعم قيام أنظمة ديمقراطية قوية.
– مساعدة شعوب المنطقة على تحقيق تنمية مستدامة وتأمين مناخ لائق للعيش الكريم.
– دعم مشاريع تعليم عصرية، وتوسيع دائرة الضوء في مجتمعنا بعناها المادي والمعرفي.
– تعزيز دولة القانون.
– الاحتواء الأمني لأي شكل من أشكال التطرف الديني في حدود النظام والقانون.
– تعزيز منظومة الأمن الوقائي مع الالتزام الكامل بقواعد العدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق