آخر الأخبارقضايا راهنةورقة البحث

العملية العسكرية التركية في شمال سوريا: نطاقها وأهدافها وردات الفعل عليها

سعيد الحاج

أطلقت القوات المسلحة التركية في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري عملية “نبع السلام” في المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات في سوريا بالتعاون مع الجيش الوطني السوري، استكمالاً لعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون في مواجهة ما تعتبره مشروعاً انفصالياً في الشمال السوري، وبهدف إنشاء منطقة آمنة ونقل مليوني لاجئ سوري إليها.

ورغم الضغوط السياسية التي تعرضت لها وتحفّظ معظم أصدقائها وشركائها فضلاً عن خصومها، تستمر أنقرة في العملية التي تسير دون عقبات ميدانية جدية.

ترصد الورقة المسوغات التي تقدمها تركيا للعملية والأسباب المعلنة والضمنية لها وأهم التحديات الماثلة في طريقها. وترى أن تركيا ماضية في استكمال المرحلة الأولى منها دون عوائق تذكر، بينما سيكون من الصعب عليها الاستمرار في مراحل تالية قبل إعادة تقييم الوضع الميداني والمواقف الدولية وخصوصاً موقفي كل من الولايات المتحدة وروسيا بشأنها.

مقدمة

يخوض حزب العمال الكردستاني منذ 1984 حرباً انفصالية ضد تركيا شهدت فترات كر وفر. ساهم اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان عام 1999 وتراجع أداء الحزب وخطوات حزب العدالة والتنمية الإيجابية تجاه المسألة الكردية في تركيا في تغير بعض تصوراته وصولاً للتراجع عن مطلب الدولة الكردية لصالح المواطنة المتساوية والحكم الذاتي الديمقراطي والكونفدرالية الديمقراطية[1]، وتعزز ذلك مع عملية التسوية التي بدأتها الحكومة التركية معه.

أنعشت تطورات ما بعد الثورة السورية النزعة الانفصالية لدى الكردستاني، حيث أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2014 إدارات ذاتية على ثلاثة “كانتونات” في الشمال السوري. تأثراً بذلك، نقض الكردستاني الهدنة المستمرة منذ سنتين مع الحكومة التركية واستأنف نشاطه المسلح[2]، إضافة لإعلان إدارات ذاتية في مناطق الأغلبية الكردية في شرق تركيا وجنوبها الشرقي وهي الحالة التي أنهتها الحكومة التركية عسكرياً وأمنياً[3].

شكلت مواجهة مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري أولية أنقرة في الملف السوري منذ تلك اللحظة. في آب/أغسطس 2016، أطلقت القوات المسلحة التركية بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر عملية درع الفرات التي قطعت التواصل الجغرافي بين الكانتونات في الشرق والغرب، وفي كانون الثاني/يناير 2018 عملية غصن الزيتون التي أنهت سيطرة وحدات حماية الشعب على منطقة عفرين وبالتالي قضت على فكرة التواصل الجغرافي مع البحر المتوسط[4]. أبقى ذلك سيطرة الوحدات أو قوات سوريا الديمقراطية على مناطق واسعة شرق الفرات، التي هددت تركيا كثيراً بعملية عسكرية ضدها أطلقتها قبل أيام تحت اسم “نبع السلام”.

المسوغات والأهداف:

تختلف العملية التركية الحالية عن العمليتين السابقتين اللتين غلب عليهما شعار مواجهة داعش والتنسيق مع الطرف الروسي، حيث أن هدفها الرئيس فيها هو قوات سوريا الديمقراطية وتحتاج فيها للتنسيق مع الولايات المتحدة التي تتواجد قواتها على الأرض بشكل منفرد أو من خلال التحالف الدولي لمواجهة داعش[5]. لذا، ولأنها عملية عسكرية خارج الحدود، تقدم أنقرة المسوغات التالية لعملية نبع السلام ضد قسد:

أولاً، الغطاء القانوني المرتبط بحق الدفاع عن النفس وفق المواثيق الدولية، وكذلك مكافحة الإرهاب حيث أن العملية رسمياً موجهة لعدد من الجهات مثل داعش والعمال الكردستاني المصنف منظمة إرهابية على قوائم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة[6].

ثانياً، الرابط العضوي لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب مع العمال الكردستاتي من حيث القرار السياسي[7] وكذلك انتقال القيادات والمقاتلين[8].

ثالثاً، استهداف وحدات الحماية لتركيا واتهامها بالمسؤولية عن أحد التفجيرات داخل الأراضي التركية[9].

رابعاً، أن قوات سوريا الديمقراطية هي نفسها وحدات حماية الشعب الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي بعد تعديلات شكلية[10]، وبالتالي اعتبار  دعم هذه القوات وتسليحها وتدريبها من قبل واشنطن إضراراً من الأخيرة بالأمن القومي التركي وما تعتبره أنقرة مسألة وجودية.

خامساً، مسؤولية قسد عن عمليات تغيير ديمغرافي وتهجير قسري في شرق الفرات بعد سيطرتها عليها[11].

رسمياً، أعلنت القوات المسلحة التركية عن هدفين رئيسين للعملية، هما تأمين الحدود “بعد إبعاد العناصر الإرهابية” عنها وإنشاء منطقة آمنة بطول 460 كلم وعمق 30 – 40 كلم لتسكين مليوني لاجئ سوري فيها باعتبارها عنصر استقرار في المنطقة وسوريا عموماً[12]. لكن يمكن رصد بعض الأهداف الإضافية أو الفرعية أو المتحققة تلقائياً لتركيا من العملية، وأهمها:

1- تخفيف الضغوط الداخلية على الحكومة في ملف اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها.

2- تهيئة بيئة ديمغرافية صديقة لتركيا في الشمال السوري، إذ غالبية من سيسكنونه سيكونون من المقيمين سابقاً على أراضيها.

3- إنشاء حاجز ديمغرافي وجغرافي ضمني بين تركيا والمنظمات الكردية المسلحة في المستقبل.

4- زيادة أوراق القوة التركية في القضية السورية إزاء مختلف الأطراف وانعكاس ذلك على الدور التركي في الحل السياسي.

5- توسيع المنطقة الجغرافية التي تديرها المعارضة السورية المقربة من أنقرة.

6- إضعاف ورقة الضغط “الكردية” التي تملكها واشنطن ضدها، ومن جهة أخرى زيادة مستوى التعاون معها مستقبلاً بعد إزالة أو إضعاف نقطة الخلاف الرئيسة بينهما[13].

7- تخفيف الضغوط الروسية عليها، خصوصاً في إدلب.

8- ارتفاع منسوب التأييد لاردوغان والحكومة بفعل انتعاش المشاعر القومية خلال العملية، وهو أمر مهم في ظل الأزمة الاقتصادية وكذلك اقتراب المواعيد المحتملة لإعلان أحزاب سياسية جديدة منشقة عن العدالة والتنمية.

العقبات والتحديات

أطلقت تركيا عمليتها بعد تجديد الرئيس الأمريكي رغبة بلاده سحب قواتها من سوريا وتغريدات له أوحت بالتخلي عن قسد ثم انسحاب القوات الأمريكية من بعض النقاط الحدودية[14]، وهو ما دعم فكرة حدوث تفاهم ضمني بين الطرفين لإتمام العملية.

أعلنت القوات المسلحة التركية أكثر من مرة جهوزيتها للعملية بما في ذلك الخطط والأسلحة والفرق المشاركة من الجيش التركي إضافة للجيش الوطني السوري المشكّل حديثاً والذي يقدر عدد مقاتليه بحوالي 80 ألف مقاتل[15].

بدأت العملية بقصف جوي ومدفعي تمهيدي، ثم انتقلت القوات التركية والسورية المشاركة للعملية البرية مباشرة منذ اليوم الأول، بما يوحي بحرص تركي على سرعة الإنجاز وسهولة نسبية في التقدم. ورغم ذلك، تمثل أمام العملية عدة عقبات وتحديات، في مقدمتها:

الأول، التحديات الميدانية: وتتمثل في اتساع الرقعة الجغرافية لمناطق شرق الفرات والتي تقدر بحوالي ثلث مساحة سوريا يسكنها ما يقرب من مليوني إنسان يتوزعون بين عدة إثنيات غالبيتهم من العرب[16]، وقوات سوريا الديمقراطية التي يقدر عدد مقاتليها بحوالي 60 ألف مقاتل[17] إضافة لرصيدهم من التدريب والتسليح الأمريكي والخبرة في مواجهة داعش على مدى سنوات، فضلاً عن صعوبة تخليهم عن السيطرة على المنطقة لغناها بالثروات الطبيعية والمائية حيث تضم حوالي %90 من النفط وحوالي %45 من إنتاج الغاز السوري[18].

ومن التحديات الميدانية وجود عدد من القواعد والنقاط العسكرية الأمريكية وتلك التابعة للتحالف الدولي والدوريات التي يسيرها الطرفان في المنطقة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من احتكاكات أو إصابات غير مقصودة، فضلاً عن الصعوبات التي ستواجه المقاتلات التركية بعد وقف التحالف الدولي تعاونه استخبارياً مع تركيا[19].

الثاني، الضغوط الدولية والإقليمية: رغم المسوغات القانونية التي ساقتها تركيا لعمليتها العسكرية، إلا أنها ووجهت بمواقف شاجبة ورافضة أو متحفظة على أقل تقدير من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية رغم مستوى التنسيق مع أنقرة، وروسيا رغم تفاهماتها معها، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي[20]، وجامعة الدول العربية[21]، إضافة لموقف رافض صريح للعملية من إيران، وعقوبات من ألمانيا وهولندا وفرنسا[22]، في مقابل عدد قليل من الدول المؤيدة صراحة لها وفي مقدمتها باكستان وأذربيجان[23].

وتتركز الضغوط الموجهة لتركيا على ملف مواجهة داعش والتعامل مع معتقليها في سوريا، واحتمالات سقوط ضحايا من المدنيين، والتخوف من إحداث تغيير ديمغرافي طويل الأمد في المنطقة، وهي ضغوط مرشحة للاستمرار والتزايد مع مرور الوقت وتعمّق مستوى التقدم التركي.

الثالث، الموقف الأمريكي: يعتبر الموقف الأمريكي، وبدرجة أقل الروسي، الأهم من وجهة النظر التركية لما لواشنطن من تأثير في المنظومة الدولية ولتواجد قواتها على الأرض في شرق الفرات وكذلك باعتبارها الداعم الأكبر لقسد. ورغم التفاهمات التركية – الأمريكية التي أفضت إلى انسحاب أمريكي من تل أبيض ورأس العين إفساحاً للطريق أمام القوات التركية ما فهم على أنه ضوء أخضر للعملية، والموقف الأمريكي – الروسي الذي أعاق بيان إدانة للعملية في مجلس الأمن، إلا أن أنقرة تتوجس من احتمالات تغيير ترمب لموقفه كما حصل سابقاً في قرار الانسحاب من سوريا، إضافة لموقف البنتاغون المعروف ضد العملية[24]، وكذلك تهديدات الكونغرس بفرض عقوبات عليها[25].

الرابع، كلفة العملية: بالنظر للتعقيدات والتحديات سالفة الذكر، ينتظر أن تتسبب عملية نبع السلام بخسائر بشرية – مدنية وعسكرية – أكبر من سابقتيها، لا سيما إذا ما طالت زمنياً. كما يتوقع أن تكون لها ارتداداتها على الاقتصاد التركي إذا ما استمرت الضغوط الدولية وتطورت لعقوبات.

الخامس، المنطقة الآمنة: تحتاج فكرة المنطقة الآمنة التي تنوي تركيا إنشاءها في الشمال السوري ثم تسكين ملايين اللاجئين السوريين فيها لموافقة أطراف مهمة مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ثم تعاونها مع أنقرة في التخطيط والتنفيذ والتمويل والدعم اللوجستي، الأمر الذي يبدو متعسراً حالياً.

توقعات المستقبل

تستمر العملية التركية رغم التحديات الماثلة والضغوط التي تتعرض لها أنقرة، لإكمال المرحلة الأولى المعلنة وهي السيطرة على منطقة بامتداد 120 كلم على طول الحدود بين تل أبيض ورأس العين وعمق 30 كلم[26]. خصوصاً وأن المواقف المتحفظة لم تتحول إلى عقبات ميدانية حقيقية من قبل الدول القادرة على ذلك، حيث انسحبت القوات الأمريكية إلى عمق 30 كلم وهي منطقة العمليات التركية، بينما لم تتسبب أي من روسيا وإيران لتركيا بأي تعقيدات ميدانية أو تصعيد من قبل الأطراف المحسوبة عليهما.

تمتاز العملية بسرعة الأداء والانتقال من مرحلة تكتيكية إلى أخرى مقارنة بالعملتين السابقتين، حيث أعلنت وزارة الدفاع التركية السيطرة على مدينة رأس العين والوصول للطريق الدولي M4 الرابط بين مدينتي منبج والقامشلي في اليوم الرابع من العمليات[27]. يوحي ذلك بقلق تركيا من تزايد الضغوط عليها أو تغير المواقف أو تعقد الميدان، ما ينعكس على رغبتها بفرض أمر واقع يصعب التراجع عنه.

السيناريو الأوفر حظاً هو أن تستمر أنقرة في العملية متجاهلة الضغوط الممارسة عليها وأن تتم المرحلة الأولى المعلنة منها، لا سيما وأن المؤشرات الميدانية لا تشير إلى عقبات حقيقية في تلك المنطقة بعد انسحاب القوات الأمريكية منها وقبلها مقاتلو قسد[28].

انتقال تركيا للمرحلة الثانية واستكمالها العملية وفقاً لتصورها الأولي الشامل لكامل الحدود من عدمه سيرتبط بشكل مباشر بأربعة عوامل رئيسة، هي مدى سهولة استكمال المرحلة الأولى ومستوى خسائرها، والتطورات الميدانية لا سيما من قبل قسد، ومدى ازدياد الضغوط الإقليمية والدولية، وأخيراً – ولعله الأهم – موقف الولايات المتحدة وانعكاساته على ملف انتشار قواتها. وفي هذا الإطار، سيحمل لقاء ترمب – اردوغان الشهر المقبل مؤشرات مهمة حول توجه الولايات المتحدة مستقبلاً في الملف السوري عموماً، ودعم قسد خصوصاً، والعملية التركية على وجه التحديد.

إلا أن سيناريو استنزاف تركيا في العملية يبقى وارداً، وإن كانت فرصه محدودة وفق المعطيات الحالية، بينما تزداد احتمالاته كلما طالت العملية وتعمّقت. يشمل هذا السيناريو مسار الاستنزاف العسكري المباشر بحرب العصابات وكذلك احتمالات الاحتكاك العسكري بقوات التحالف أو القوات الأمريكية. كما يشمل الضحايا العسكريين والمدنيين من الطرفين، والانعكاسات على الاقتصاد التركي، فضلاً عن احتمال تعرضها لعقوبات أمريكية و/أو أوروبية مباشرة، أو تعقد الظروف الميدانية و/أو السياسية بما يصعّب من تحقيق إنجاز واضح ويدفع باتجاه حلول أخرى[29].

في الخلاصة، تسير العملية التركية نحو إتمام مرحلتها الأولى على الأقل رغم التحفظات، ولكن ما زال من المبكر القطع بمدى قدرة أنقرة على استكمالها حتى نهاياتها، أو احتمالات التمدد للسيطرة على كامل منطقة شرق الفرات في حال تحقق الانسحاب الأمريكي. لكن يبقى الاحتمال الأوفر حظاً هو الاكتفاء، على الأقل مؤقتاً، بالمرحلة الأولى واستثمار نتائجها سياسياً على صعيد الحل في سوريا والعلاقات مع مختلف الأطراف.

وسيكون على تركيا أن تقدم تطمينات مقنعة لمختلف الأطراف باكتفائها بمواجهة المشروع الانفصالي في الشمال السوري وحماية حدودها وأمنها القومي، وعدم رغبتها البقاء طويلاً على الأراضي السورية أو العمل على إحداث تغييرات ديمغرافية عميقة قد تزرع بذور عدم الاستقرار لسنوات طويلة قادمة في سوريا وبينها وبين تركيا.

للاطلاع على الورقة البحثية من موقع الباحث

اضغط هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق