آخر الأخبار

قراءة في نتائج جولة الإعادة لانتخابات اسطنبول

أظهرت النتائج الأولية، غير الرسمية، فوز مرشح المعارضة (تحالف الشعب)، أكرم إمام أوغلو، برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، بنحو 54% مقابل نحو 45% لمرشح الحزب الحاكم بن علي يلدرم، بعد فرز حوالي 99% من الأصوات، في انتخابات الإعادة التي شهدتها إسطنبول يوم الأحد الموافق 23 يونيو 2019.

ومع فرز معظم صناديق الاقتراع، تبين تفوق مرشح حزب المعارضة الرئيسي، أكرم إمام أوغلو، بفارق أكثر من 800 ألف صوت، بزيادة كبيرة عما حققه في الجولة الأولى في 31 مارس 2019، التي فاز فيها بأكثر من 13 ألف صوت.

وبهذه النتيجة يصبح مرشح المعارضة رئيساً لبلدية إسطنبول بعد 25 عاماً سيطر فيها حزب العدالة والتنمية على رئاسة البلدية.

وجرى التصويت في 39 دائرة بإسطنبول، تشمل نحو 31 ألف صندوق اقتراع، ويحق لنحو 10.5 ملايين ناخب التصويت في هذه الانتخابات.

دلالات النتائج

بالمقارنة مع الجولة الأولى الاعتيادية، فقد رفع إمام أوغلو نصيبه من الأصوات بأكثر من 5% وبواقع حوالي 530 ألف صوت، في مقابل تراجع نصيب يلدريم بنسبة 3.5% وأكثر من 230 ألف صوت، ما وسّع الفارق بينهما من حوالي 13 ألف صوت إلى أكثر من 806 ألفاً.

لا تبدو هذه الأرقام نتيجة مباشرة لمفاضلة الناخبين بين المرشخَيْن الرئيسين فقط وإنما لأسباب أعمق وأعقد من ذلك. ذلك أن المرشحَيْن نفسهما تواجها قبل أقل من 3 أشهر وكان الفارق بينهما أقل بحوالي 60 ضعفاً من الحالي، لا سيما وأن إمام أوغلو لم يقدم أداء استثنائياً خلال الحملة الانتخابية أو تفوقاً كاسحاً على منافسه.

كما أن نتائج البلديات الفرعية أو الأقضية الـ39 في إسطنبول تظهر بوضوح أن يلدريم قد تراجع فيها جميعها وأن إمام أوغلو قد تقدم فيها جميعها بلا استثناء، ما يجعل الأمر – مجدداً – أكبر من مجرد مفاضلة بين مرشحين.

نتيجة انتخابات الإعادة هي محصلة مباشرة لتقييم ناخبي إسطنبول لقرار إلغاء الانتخابات وإعادتها في المدينة، وكيفية تفاعل الأحزاب السياسية المختلفة مع الأمر منذ تلك اللحظة قولاً وفعلاً، فضلاً عن الحملات الانتخابية وخطابها.

وعليه، يمكن القول بسهولة إن شريحة واسعة من الناخبين لم يقتنعوا بقرار الإعادة، ما يعني أنهم قبلوا سردية “المظلومية” من إمام أوغلو وليس من يلدريم بعد أن استخدمها كلاهما. هذا التصويت المفاجئ، بهذا المعنى، هو رسالة احتجاج واضحة على طلب العدالة والتنمية إعادة الانتخابات وقبول اللجنة العليا للانتخابات.

الدلالة الثانية أن التغييرات الكثيرة التي جاء بها العدالة والتنمية في حملة الإعادة بالاختلاف عن الجولة الأولى لم تلق صدى كافياً لدى المقصودين بها والمستهدفين منها، وتحديداً الناخب الكردي وأنصار حزب السعادة والعاتبين/المتحفظين من أبناء العدالة والتنمية.

غير العدالة والتنمية خطاب “الخطر الوجودي” على تركيا للحديث عن “تحالف تركيا” الذي يضم الجميع تحته، ومن مهاجمة حزب السعادة إلى مغازلة أنصاره وكوادره بزيارة من يلدريم وتصريحات اعتذارية عديدة، ومن قيادة اردوغان للحملة إلى تركه الساحة ليلدريم وبرامجه. 

كما أن رسالة أوجلان من سجنه لأنصار حزب الشعوب الديمقراطي بالتزام الحياد في الانتخابات اعتبرتْ مناورة من الحكومة والحزب الحاكم انقلبت 180 درجة على خطاب التحذير من الشعوب الديمقراطي ودعمه الضمني لتحالف الأمة المعارض.

هذه المناورة تحديداً، والتي لا يبدو أنها أدت إلى مقاطعة من أنصار الشعوب الديمقراطي للانتخابات، تبدو وقد أثرت سلباً على حظوظ يلدريم، إذ ليس من الصعب تلمس وقعها السلبي على أبناء الحركة القومية حليف العدالة والتنمية وبين بعض أنصار الأخير كذلك.

مواقف أبرز السياسيين حول نتائج الانتخابات

فور صدور النتائج غير الرسمية، سارع بن علي يلدريم، مرشح “تحالف الشعب” والمنافس الأكبر لإمام أوغلو، بتقديم التهاني لمرشح المعارضة، متمنياً له التوفيق في منصبه الجديد.

وقال يلدرم في مؤتمر صحفي عقده في مقر حزب “العدالة والتنمية” بإسطنبول: “منافسي أكرم إمام أوغلو يتصدر حاليا، أهنئه وأتمنى له النجاح”. وأضاف: “سأحرص على مساعدة إمام أوغلو في جميع الأعمال التي سيقوم بها لصالح إسطنبول. أدعو الله تعالى أن تحمل نتيجة الانتخابات الخير لإسطنبول ومستقبلها”.

وأكد يلدريم أن “الانتخابات تعني الديمقراطية، وأظهرت هذه الانتخابات مرة أخرى كيف أن الديمقراطية تسير في تركيا على أكمل وجه”.

كما هنأ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إمام أوغلو بفوزه في رئاسة بلدية إسطنبول. وأضاف أردوغان في سلسلة تغريدات: “أهنئ أكرم إمام أوغلو الفائز بالانتخابات وفق النتائج غير الرسمية”، مبيناً أن “الإرادة الوطنية تجلّت مرة أخرى اليوم وأتمنى أن تعود نتيجة انتخابات بلدية إسطنبول بالخير على المدينة”.

بدوره، أعرب كمال قليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي، أكبر أحزاب المعارضة، عن سعادته بفوز مرشح حزبه في انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول. وأضاف في تغريدة له على تويتر: “كنا قلنا أنه كل شيء سيصبح جميلا جدا، وها قد صار كل شيء جميلا جدا”، في إشارة إلى شعار حزبه خلال الحملة الانتخابية.

أما زعيم حزب “الحركة القومية” التركي، دولت باهتشلي، قال إن “تحالف الشعب” مع حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، “ماض في مسيرته المباركة بكل قوة”. وأضاف: “فليعلم الجميع أن تحالف الشعب سيواصل مسيرته المباركة بكل قوة والحفاظ عليها”.

في السياق ذاته، أعرب رئيس حزب السعادة التركي، قره ملا أوغلو، في تعليقه على نتيجة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، عن احترامه لقرار الشعب. وأضاف في تغريدة له على حسابه في موقع تويتر، قائلاً: “لقد تجلت إرادة الشعب، وما علينا إلا احترام هذا القرار”.

خطاب الفوز

وفي خطاب الفوز، قال إمام أوغلو إن النتيجة تمثل “بداية جديدة”، لكل من المدينة والدولة. وقال: “نحن نفتح صفحة جديدة في اسطنبول. في هذه الصفحة الجديدة، ستكون هناك عدالة ومساواة وحب”. وأضاف أوغلو أنه مستعد للعمل مع أردوغان، قائلا: “سيدي الرئيس، أنا مستعد للعمل في انسجام معك”.

السيناريوهات القادمة

لعل أهم الارتدادات لنتيجة الانتخابات ستكون داخل العدالة والتنمية نفسه وليس فقط في صف المعارضة، حيث ستزيد هذه النتائج من احتمالية إطلاق الحزب السياسي المرتقب بقيادة ثلة من قيادات حزب العدالة والتنمية السابقين. ولذا تبدو جولة الإعادة محطة فارقة في تاريخ العدالة والتنمية قد يكون لها ما بعدها.

ومن التداعيات المحتملة من جهة المعارضة هي ما أشار إليها زعيم حزب “الحركة القومية” التركي، دولت باهتشلي، المتحالف مع العدالة والتنمية، من دعوة المعارضة لانتخابات رئاسية مبكرة، حيث قال في تعليقه على نتائج انتخابات إسطنبول إن “طرح حديث لانتخابات مبكرة، سيلحق أكبر الضرر ببلادنا”، مضيفاً: “تقدم مرشح الشعب الجمهوري وفق المعطيات الراهنة، لن يغير نظرتنا إلى انتخابات 23 حزيران/يونيو، ولن يؤثر على وقوفنا الراسخ في صف الحق والحقيقة”.

ويمكن القول إن التحليلات التي سارعت إلى التبشير بنهاية عهد العدالة والتنمية كانت متسرعة إلى حد كبير، على الأقل باعتبار أنها كانت انتخابات بلدية وليست رئاسية أو برلمانية (رغم دلالاتها وأهميتها السياسية) ومحدودة بإسطنبول وليست عامة. فلن يكون هناك ارتدادات كبيرة على الحياة السياسية في تركيا داخلياً وخارجياً ولا على النظام السياسي وتوازناته، فضلاً عن عمل البرلمان والحكومة، اللهم إلا من زاوية تعديل وزاري محتمل.

لكن في المقابل، ستكون لهذه النتيجة تداعياتها على الحياة الحزبية في البلاد، وخصوصاً حزبي الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية. فزعيم المعارضة كمال قليجدار أوغلو سيغلق ملف الصراع على كرسي الرئاسة في حزبه حتى إشعار آخر بهذه النتيجة المضافة للسابقة، خصوصاً وأن إمام أوغلو كان خياره الشخصي على عكس رغبة مجلس الحزب.

الأهم من ذلك أن الانتصار المتكرر للمعارضة وبهذه النتيجة المريحة سيعطيها دفعة معنوية كبيرة لخطاب أكثر ندية مع الرئيس اردوغان والعدالة والتنمية من جهة؛ وسيقنعها بمزيد من التعاون والتنسيق في المستقبل فيما بينها من جهة أخرى. وهو أمر قد يدفعها لاحقاً، وليس مباشرة، للمناداة بتبكير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل 2023 إذا ما استجدت ظروف تدعم هذا التوجه وترفع من فرصها.

التداعيات داخل العدالة والتنمية

بعد نتيجة الانتخابات في اسطنبول أصبح حزب العدالة مطالباً بتقديم رسالة تغيير وتطوير كتجاوب منه مع النتيجة تكون أكثر إقناعاً للناخب من سابقاتها، وبالتالي يمكن في هذا الإطار توقع مؤتمر استثنائي للحزب يشمل تغييرات في بعض أطره القيادية وخصوصاً في إسطنبول و/أو تعديل وزاري يشمل بعض الحقائب، فضلاً عن رسائل تتعلق بالخطاب الحزبي والحكومي والتعامل مع الآخر.

وفي سياق موازٍ، يمكن القول إن النتيجة ستشجع شخصيات قيادية سابقة في الحزب مثل داود أوغلو وكول وباباجان على تفعيل خططهم المرتبطة بإنشاء حزب أو أحزاب سياسية تنافس العدالة والتنمية، إن لم تشمل عملية التغيير داخل الأخير مصالحات أو تسويات تشملهم.

قيادة حزب العدالة والتنمية في اسطنبول تعيش حالة غليان قد تسفر عن استقالة رئيس الحزب في إسطنبول، خاصة وأن النتائج حملت رسالة تأديب قوية لحزب العدالة والتنمية، الذي أصرّ على الإعادة وقدم حملة انتخابية سادها الكثير من التخبط رفع فيها شعار سرقة الأصوات، وارتدّ فيها عن الكثير من الشعارات والمواقف التي تبناها في الاستحقاق الأول قبل أقل من ثلاثة أشهر.

تعتبر النتيجة فرصة للعدالة والتنمية من أجل المراجعة والتصويب وإعادة احتواء الأصوات الناقدة داخله، والتخفيف من حدة الخطاب ضد المعارضة ورفع سقف حريات الإعلام والتعبير في البلاد كلها.

كما تعد النتيجة بمثابة تصويت ليس على شعبية حزب العدالة والتنمية فحسب بل على مستقبل ومصير أردوغان السياسي، حيث تضع علامات استفهام حول مسار انتخابات 2023 الرئاسية بمعنى أنها ستكون صعبة على الحزب الحاكم.

ويمكن القول بأن نتيجة الانتخابات هي إشارة البدء لمسارات متضاربة ومتعاكسة على الساحة السياسية التركية، لكنها تتقاطع جميعها في نقطة واحدة وهي أن المعارضة التركية تقول إنها لن تسمح للرئيس أردوغان وحزبه بالتفرد بالسلطة بعد الآن، وهي خطوة تطرح تساؤلات حول مستقبل الحزب.

مبررات الإعادة

بعد ثبوت وجود تلاعب في انتخابات بلدية اسطنبول تقدم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية باعتراض للجنة العليا للانتخابات. وبعد تقييم اللجنة للاعتراض وتقييم أسباب الطعن، قررت اللجنة إعادة الانتخابات على أساس أن هناك نوعين من المخالفات قد اجتمعا أثناء عملية الانتخابات وهذه المخالفات كالتالي:

هناك 31 ألف 280 مركز اقتراع في اسطنبول، منها 6 آلاف 644 مركزاً تحت رئاسة أشخاص ليسوا موظفين حكوميين، وهذا مخالف لقانون الانتخابات، كما أن هناك 13 ألف 98 عضوا بمراكز الاقتراع مخالفين للقانون.

كما وجدت اللجنة أن هناك 5 آلاف 388 استمارة فرز واستمارة جمع محصلة الأصوات غير مختومة، و 694 استمارة غير موقعة، و 214 استمارة فارغة، و 498 استمارة ناقصة، و 919 استمارة لم تحدد فيها الأرقام، و ألف و 135 استمارة مفقودة. كما تم تسجيل استمارات 22 صندوقاً ممن يرأسها أعضاء مخالفين للقانون على أنها استمارات مفقودة ولم يتم تقييد أي من أصوات الناخبين في تلك الصناديق في النظام الخاص باللجنة العليا للانتخابات.

كما تم قيد أصوات الناخبين في 101 مركزاً انتخابياً في نظام اللجنة العليا للانتخابات من استمارات غير مختومة وغير موقعة وناقصة ولكن تم تسجيلها على أنها مكتملة.

وعليه تثبتت اللجنة من عملين غير قانونيين: أحدهما في تشكيلة مجلس الاقتراع، والآخر العبث باستمارات الفرز واستمارة جمع محصلة الأصوات حيث بلغ عدد المراكز المتضمنة لهذه الأعمال غير القانونية 123 مركزاً انتخابياً تحتوي على 13 ألف و729 صوتاً انتخابياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق