آخر الأخبارأخبارإحاطة بالحدث

2- التحالف الثلاثي: حين يبدأ النظام الأمني الجديد بالخروج عن هندسة واشنطن

بقلم: د. رياض الشعيبي

في المقال السابق، حاولنا قراءة اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، وطرحنا سؤالاً حول علاقته بالتصور الأمريكي لنظام أمني إقليمي جديد، وبالمشروع الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة. لكن التطورات اللاحقة تجعل السؤال أكثر تعقيداً.

فإذا كانت الولايات المتحدة قد شجعت، منذ سنوات، انتقال حلفائها من الاعتماد على التدخل العسكري الأمريكي المباشر إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم الإقليمي، وإذا كانت واشنطن تريد تقاسم أعباء الأمن بدلاً من تحملها منفردة، فهل ما نشهده اليوم هو بالضبط ما أرادته الولايات المتحدة؟ أم أن القوى الإقليمية بدأت تستخدم هذا الهامش لبناء منظومة أمنية قد تصبح، تدريجياً، أكثر استقلالاً عن واشنطن؟ هنا تكمن أهمية اتفاق مكة.

من تقاسم الأعباء إلى تقاسم النفوذ

لا تبدو فكرة تحميل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة جديدة في الاستراتيجية الأمريكية. فقد راكمت واشنطن خلال العقد الأخير سياسات تدفع نحو بناء القدرات المحلية، وتطوير الشراكات الأمنية، وربط الحلفاء بشبكات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية، مع تقليل الحاجة إلى الانتشار العسكري الأمريكي المباشر. لكن هناك فارقاً جوهرياً بين أن تتولى القوى الإقليمية تنفيذ استراتيجية أمنية أمريكية، وبين أن تبدأ في إنتاج استراتيجية أمنية خاصة بها، وهذا الفارق هو الذي يجعل اتفاق مكة مهماً. فالولايات المتحدة لم تتخل عن موقعها في المنطقة. فما زالت تمتلك القواعد العسكرية، والتفوق التكنولوجي، وشبكات الاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والقدرة البحرية، والأهم شبكة العلاقات الأمنية التي بنتها طوال عقود، وفي مايو 2025، وقعت واشنطن والرياض اتفاقات دفاعية ضخمة، تضمنت التزاماً سعودياً بشراء منظومات دفاعية أمريكية بقيمة تصل إلى نحو 142 مليار دولار، بما يؤكد أن العلاقة الأمنية بين البلدين لم تنهَر ولم تُستبدل.

لكن السعودية، في الوقت نفسه، بدأت تبني طبقة أخرى من الأمن، لا تعتمد حصراً على واشنطن، وهنا يصبح اتفاقها مع باكستان، ثم توسع الإطار ليضم تركيا، أكثر من مجرد اتفاق عسكري. إنه محاولة لبناء تعدد في مصادر الردع.

Loading Viewer…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى