آخر الأخبارتقدير موقف

تهديد الحوثيين للملاحة المرتبطة بالسعودية: من الضغط البحري إلى إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي

الملخص التنفيذي

هناك انتقال نوعي في طبيعة التهديد الحوثي للسعودية؛ إذ لم يعد الضغط مقتصراً على الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الحدود البرية، بل امتد إلى الممرات البحرية وسلاسل تصدير الطاقة والتجارة السعودية. وقد أعلنت الجماعة حظر الملاحة البحرية المرتبطة بالمملكة تحت معادلة أطلقت عليها (الحصار بالحصار).

إلا أن التقدير الأدق لا يشير، حتى اللحظة التي يغطيها الملف، إلى أن الحوثيين نجحوا في إغلاق باب المندب أو تعطيل الملاحة السعودية بالكامل؛ وإنما حققوا نجاحاً أولياً في صناعة التهديد وإجبار بعض الفاعلين التجاريين على إعادة حساب المخاطر. وأبرز مؤشر على ذلك ما أورده الملف بشأن تغيير ناقلة سيارات صينية مسارها بعد تلقي مشغلها تحذيراً من جهة مرتبطة بالحوثيين.

وعليه، فإن أخطر ما في التطور ليس عدد السفن المستهدفة، بل قدرة الحوثيين على تحويل التهديد العسكري إلى تأثير اقتصادي ونفسي وتأميني؛ بحيث يمكن للتهديد وحده أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويدفع شركات إلى تعديل مساراتها حتى دون تنفيذ هجمات واسعة.

وتزداد خطورة الموقف بسبب تزامنه مع ارتفاع أهمية ميناء ينبع وخط أنابيب شرق–غرب في الاستراتيجية السعودية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز؛ إذ يشير الملف إلى أن السعودية دفعت بجزء كبير من صادراتها نحو الساحل الغربي، وهو ما يجعل تهديد باب المندب محاولة لضرب البديل الاستراتيجي السعودي لهرمز.


الحوثيون لا يسعون بالضرورة في المرحلة الأولى إلى إغلاق باب المندب، وإنما إلى إثبات أنهم قادرون على التحكم في مستوى المخاطر فيه. وإذا استقر هذا الانطباع لدى شركات النقل والتأمين والأسواق، فإن الجماعة تكون قد حققت جزءاً مهماً من أهدافها دون الحاجة إلى السيطرة المادية على المضيق.

توصيف الموقف

المشهد الحالي يتكون من أربع مسارات متداخلة:

  1. تصعيد الخطاب الحوثي. الجماعة نقلت المواجهة مع السعودية إلى المجال البحري، وربطت إجراءاتها بمفهوم «الحصار بالحصار»، في محاولة لإعادة صياغة الصراع باعتباره رداً على ما تصفه بالقيود المفروضة على الموانئ والمطارات اليمنية.

لكن الإعلان نفسه ما يزال فضفاضاً؛ فلم يحدد بصورة قاطعة هل يشمل السفن السعودية فقط، أم السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، أم السفن التي تنقل النفط السعودي، كما لم يحدد منطقة العمليات أو مدة الحظر وآلية تنفيذه. وهذه الضبابية قد تكون مقصودة وليست ضعفاً؛ لأنها توسع دائرة القلق لدى شركات الملاحة.

  • استعدادات عسكرية مرافقة. يرصد التقرير تحركات تشمل أسلحة بحرية وصواريخ ومنصات مسيّرة في المحافظات الغربية، إلى جانب تعزيزات في مناطق قريبة من الحدود السعودية ومناطق التماس، مما يعني أن الخطاب البحري يجري ضمن استعداد عملياتي أوسع وليس في فراغ سياسي وإعلامي.
  • ارتباط الملف بالصراع الإيراني الإقليمي. أحد أهم أبعاد التطور هو محاولة إيران توظيف الجغرافيا اليمنية ضمن شبكة الردع الإقليمية، مستعرضةَ بذلك ما يمتلكه الحوثيون في باب المندب باعتباره إحدى أوراق القوة والضغط في الصراع الإقليمي. كما نقل عن رويترز، أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق طريق البحر الأحمر في ظروف مرتبطة بتطور المواجهة الإيرانية–الأمريكية، مع عدم وجود تأكيد رسمي من إيران أو الحوثيين لهذه المعلومة.
  • الرد السعودي. الرياض رفضت السردية الحوثية وأكدت أن ما تمنعه هو وصول الأسلحة وليس الغذاء، كما طالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته وتنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن وحرية الملاحة، مؤكدة أن حماية سفنها ستكون وفق القانون الدولي. وهذا يكشف رغبة سعودية، في المرحلة الحالية، في تدويل المسؤولية عن حماية الملاحة وعدم الانجرار سريعاً إلى حرب ثنائية واسعة مع الحوثيين.

الدلالات الاستراتيجية

  1. الحوثيون يحاولون تغيير وظيفة القوة البحرية، والهدف ليس إغراق أكبر عدد من السفن، وإنما خلق معادلة: التهديد، ارتفاع التأمين، تغيير مسار السفن، ارتفاع التكلفة، ضغط اقتصادي وسياسي. وهذا شكل من أشكال الردع الاقتصادي غير المباشر. فشركة شحن لا تحتاج إلى التأكد مائة بالمائة من قدرة الحوثيين على تنفيذ تهديدهم؛ يكفي أن ترى احتمالاً معقولاً للخطر كي تغير مسارها. وهنا تكمن قوة الاستراتيجية الحوثية.
  2. التهديد يستهدف نقطة ضعف في الاستراتيجية السعودية، حيث استثمرت السعودية طوال سنوات في إنشاء بدائل تقلل اعتمادها على مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط شرق–غرب وموانئ البحر الأحمر. وبالتالي، فإن تهديد الملاحة في باب المندب يعني عملياً محاولة وضع المملكة بين: هرمز شرقاً وباب المندب جنوب غرباً. لذلك فإن المسألة ليست تهديداً لسفينة أو ميناء، بل محاولة لضرب فكرة التنويع الجغرافي لمسارات تصدير الطاقة السعودية.

أهداف الأطراف

الحوثيون: الأرجح أنهم يسعون إلى تحقيق عدة أهداف متزامنة منها:

أولاً: الضغط على السعودية في ملفات مطار صنعاء وميناء الحديدة وخريطة الطريق.

ثانياً: تعزيز موقعهم باعتبارهم قوة إقليمية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.

ثالثاً: رفع كلفة أي تحرك سعودي أو أمريكي ضدهم.

رابعاً: خدمة منظومة الردع الإيرانية من خلال ربط هرمز بباب المندب.

خامساً: فرض أنفسهم طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية يمنية أو إقليمية.

السعودية: الأولوية السعودية على الأرجح هي منع الحوثيين من تثبيت معادلة ردع بحري دائمة، مع تجنب العودة إلى حرب استنزاف مفتوحة داخل اليمن. ومن هنا ستسعى الرياض إلى الجمع بين: الضغط الدولي، حماية الملاحة، الردع العسكري، دعم الحكومة اليمنية، إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة.

إيران: تملك طهران مصلحة استراتيجية في إبقاء باب المندب ورقة ضغط احتياطية. فكلما اتسعت قدرتها على التهديد من هرمز وباب المندب معاً، ارتفعت تكلفة أي مواجهة معها.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: الضغط البحري المحدود والمنضبط

يواصل الحوثيون إصدار التحذيرات وربما اعتراض أو استهداف سفن مختارة مرتبطة بالسعودية، مع تجنب إغلاق باب المندب بصورة شاملة، والغرض هو تحقيق أكبر تأثير سياسي واقتصادي بأقل تكلفة عسكرية. والنتيجة المتوقعة هو ارتفاع التأمين والشحن واضطراب محدود في المسارات، مع استمرار التوتر دون انفجار شامل.

السيناريو الثاني: تنفيذ هجوم نوعي ضد ناقلة أو ميناء سعودي

قد تستهدف الجماعة ناقلة نفط أو سفينة مرتبطة بينبع أو جدة أو جازان لإثبات أن الحظر ليس إعلامياً. وهذا سيكون نقطة تحول حاسمة. والنتيجة المحتملة هو رد سعودي أو دولي أكبر، وعمليات استهداف لمنظومات الحوثيين الساحلية والصاروخية.

السيناريو الثالث: توسع المواجهة إلى باب المندب بالكامل

يتحول الحظر من استهداف المصالح السعودية إلى حملة واسعة ضد الملاحة. وهنا ستتحول القضية سريعاً من: السعودية والحوثيين إلى: الحوثيين والنظام التجاري الدولي. وقد يفتح ذلك الباب لتحالف عسكري وبحري أوسع ضد الجماعة.

السيناريو الرابع: العودة إلى تسوية وضبط التصعيد

يستخدم الحوثيون التصعيد لانتزاع مكاسب في المطار والموانئ والمسار السياسي ثم يخفضون مستوى التهديد. وهذا السيناريو يظل ممكناً إذا تحركت وساطات إقليمية ودولية بصورة سريعة.

مؤشرات الإنذار المبكر

هناك سبعة مؤشرات ينبغي مراقبتها خلال المرحلة المقبلة:

  1. صدور قائمة حوثية واضحة بالسفن أو الموانئ المشمولة بالحظر.
  2. توجيه إنذارات جديدة مباشرة لشركات الملاحة.
  3. ارتفاع ملحوظ في أسعار التأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.
  4. تغير مسارات ناقلات النفط من وإلى ينبع.
  5. نقل مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الساحل الغربي.
  6. وقوع أول استهداف مباشر لسفينة متجهة إلى السعودية.
  7. تغير الخطاب الإيراني من دعم سياسي إلى تبني واضح لمعادلة «هرمز–باب المندب».

التداعيات على اليمن

نجاح الحوثيين في جعل باب المندب مصدر تهديد دائم قد يمنحهم قوة تفاوضية آنية، لكنه في الوقت ذاته قد يعيد تعريفهم دولياً من طرف في حرب أهلية إلى مصدر تهديد مباشر لأمن التجارة والطاقة العالميين. وهذا التحول ليس بالضرورة في مصلحتهم على المدى الطويل. فهناك احتمال انتقال التفكير الدولي من سياسة احتواء الحوثيين إلى التفكير في إزالة التهديد من مصدره، بما قد يرفع مستوى الدعم للحكومة اليمنية والعمليات البحرية وربما البرية ضد القدرات الحوثية. وهذه نقطة شديدة الأهمية ينبغي على الحكومة اليمنية استثمارها سياسياً وإعلامياً.

التوصيات الاستراتيجية

  1. عدم المبالغة في وصف الحدث بأنه إغلاق باب المندب، والصياغة الأدق: هو محاولة حوثية لفرض نطاق تهديد بحري ضد الملاحة المرتبطة بالسعودية.
  2. التأكيد أن الحوثيين يحولون اليمن إلى منصة لخدمة الصراع الإيراني الإقليمي، بما يحمّل اليمنيين تبعات صراع لا يخدم مصالحهم الوطنية.
  3. ينبغي أن تظهر الحكومة اليمنية باعتبارها صاحبة الحق والمسؤولية في حماية المياه والموانئ والجزر اليمنية، لا مجرد طرف مساند للسعودية.
  4. من الناحية الاستراتيجية، تصبح الحديدة والساحل الغربي والجزر اليمنية وفي مقدمتها ميون وزقر ذات أهمية مضاعفة، لأنها تمثل المجال الجغرافي الأقرب إلى خطوط الملاحة.
  5. عدم منح الحوثيين نصراً إعلامياً مجانياً، فالخطر الحقيقي هو أن ينجح خطابهم في إقناع الداخل والخارج بأن الجماعة أصبحت القوة التي تتحكم بباب المندب.

التقدير النهائي

نحن أمام بداية محاولة حوثية لإقامة معادلة ردع بحري جديدة، وليس أمام نجاح مكتمل في تعطيل الملاحة.

الإنجاز الحوثي الأول يتمثل في إدخال المخاطر السياسية والعسكرية إلى حسابات شركات الشحن والتأمين؛ أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ عند محاولة تحويل التهديد إلى حظر مستدام. والأرجح أن الحوثيين سيحاولون خلال المرحلة المقبلة العمل تحت سقف الحرب الشاملة: تهديدات، تحذيرات، عمليات انتقائية، وإبقاء نطاق الاستهداف غامضاً؛ لأن الغموض نفسه يحقق أثراً اقتصادياً كبيراً.

لكن الجماعة تواجه معضلة استراتيجية: فكلما أثبت الحوثيون قدرتهم على تهديد الملاحة، زادت قوتهم التفاوضية؛ لكن كلما بالغوا في استخدام هذه القدرة، اقتربوا من تحويل أنفسهم من مشكلة يمنية إلى تهديد دولي يستدعي تحالفاً أوسع لمواجهتهم. ومن هنا، فإن أول استهداف مباشر وموثق لناقلة نفط متجهة إلى ميناء سعودي، أو حدوث تحول واسع في مسارات الشحن، سيكون نقطة الانتقال من مرحلة «التهديد البحري» إلى مرحلة «الأزمة الإقليمية والدولية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى